ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها واحدة من أبرز القرارات السيادية التي اتخذتها نيامي منذ الانقلاب العسكري الذي شهدته البلاد في يوليو 2023، والذي غيّر بشكل جذري طبيعة العلاقة بين النيجر وفرنسا. القرار الصادر في 18 ماي 2026 لا يقتصر فقط على إنهاء اتفاقية اقتصادية استمرت 58 عامًا، بل يعكس أيضًا توجّهًا واضحًا نحو استعادة السيطرة الوطنية على الموارد الطبيعية الاستراتيجية، وفي مقدمتها اليورانيوم الذي يشكل عنصرًا حيويًا في سوق الطاقة العالمية، وخاصة بالنسبة للصناعات النووية الفرنسية. ومنذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة، شرعت السلطات النيجرية في تنفيذ سياسة تقوم على فك الارتباط التدريجي مع النفوذ الفرنسي، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي. وقد بدأت هذه السياسة بطرد القوات الفرنسية من البلاد، قبل أن تتوسع لتشمل إعادة هيكلة قطاع التعدين والطاقة. وفي هذا السياق، قامت الحكومة النيجرية خلال سنة 2025 بتأميم منجم سومائر، ثم اتجهت سنة 2026 إلى استعادة السيطرة المباشرة على حقل إيمورارين، أحد أكبر احتياطات اليورانيوم في العالم، في خطوة تحمل أبعادًا اقتصادية وجيوسياسية كبرى. ولا تكتفي نيامي بإلغاء الامتيازات السابقة، بل تسعى أيضًا إلى فتح ملفات مالية وقانونية مرتبطة بالنشاط الفرنسي في قطاع التعدين. فقد طالبت السلطات النيجرية شركة Orano، المعروفة سابقًا باسم أريفا، بتسوية ما تعتبره مستحقات ضريبية متراكمة منذ عقود، إلى جانب تنفيذ الالتزامات البيئية المتعلقة بالمواقع المنجمية التي استغلتها الشركة الفرنسية.
ويبدو أن الملف البيئي قد يتحول خلال الفترة المقبلة إلى محور توتر جديد بين باريس ونيامي، خاصة مع تصاعد الانتقادات داخل النيجر بشأن الآثار الصحية والبيئية التي خلفتها عقود استخراج اليورانيوم في مناطق الشمال. ويرى مراقبون أن ما يحدث في النيجر يتجاوز مجرد خلاف اقتصادي، بل يعكس تحوّلًا عميقًا في موازين القوى داخل منطقة الساحل وغرب إفريقيا، حيث تتجه عدة دول إلى إعادة النظر في علاقاتها التقليدية مع القوى الاستعمارية السابقة، والمطالبة بعقود أكثر عدالة فيما يتعلق باستغلال الثروات الطبيعية. كما يفتح القرار النيجرِي الباب أمام قوى دولية جديدة تسعى لتعزيز حضورها في إفريقيا، في ظل التراجع المتزايد للنفوذ الفرنسي في المنطقة، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية والاستراتيجية خلال السنوات المقبلة. وبينما تعتبر السلطات النيجرية هذه الخطوات جزءًا من استعادة السيادة الوطنية، ترى باريس أن مصالحها الاستراتيجية في واحدة من أهم مناطق إنتاج اليورانيوم في العالم أصبحت مهددة أكثر من أي وقت مضى، ما ينذر بمرحلة جديدة من التوتر السياسي والاقتصادي بين البلدين.