غير أن السنوات الماضية أظهرت واقعًا مختلفًا، حيث تواصلت مؤشرات الاقتصاد والمجتمع في التراجع بشكل لافت، وسط تنامي الإحساس العام بالإحباط وفقدان الثقة في قدرة الطبقة السياسية على إيجاد حلول فعلية للأزمات المتراكمة. فقد تآكلت القدرة الشرائية للمواطن بصورة غير مسبوقة، وارتفعت الأسعار بشكل متواصل، بينما بقيت الأجور شبه جامدة أمام موجات التضخم المتتالية. وباتت الطبقة الوسطى، التي شكلت لعقود عنصر التوازن والاستقرار داخل المجتمع التونسي، تواجه بدورها صعوبات متزايدة في تأمين أبسط متطلبات الحياة اليومية. ولم يعد الأمر يقتصر على الفئات الهشة أو محدودة الدخل، بل امتد ليشمل شرائح واسعة كانت تُعتبر إلى وقت قريب قادرة على الحفاظ على مستوى عيش مقبول. وتتجلى هذه الأزمة بشكل واضح خلال المناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى، مثل شهر رمضان وعيد الأضحى، حيث تتحول التحضيرات التي كانت تمثل مصدر فرح للعائلات إلى عبء ثقيل يرهق الميزانيات المنزلية. فالارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية واللحوم والأضاحي جعل كثيرًا من العائلات عاجزة عن مجاراة متطلبات المناسبات كما كان الحال في السابق. وفي ظل عالم يشهد اضطرابات متسارعة وتوترات جيوسياسية متزايدة، إلى جانب محيط إقليمي غير مستقر، تتضاعف مخاوف التونسيين بشأن المستقبل.
فالإحساس المتنامي بانعدام الأفق الاقتصادي والاجتماعي يدفع شريحة واسعة من المواطنين إلى التركيز فقط على تأمين ضروريات العيش والبقاء، بدل الانخراط في مشاريع بناء جماعي أو المشاركة الفاعلة في الحياة العامة. ويرى عدد من المراقبين أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الشعور بالانتماء الوطني، خاصة إذا استمرت حالة الإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات وفي قدرة الدولة على حماية مواطنيها وضمان الحد الأدنى من الكرامة الاجتماعية. فحين يتحول المواطن إلى مجرد فرد منشغل بصراعه اليومي من أجل البقاء، تصبح الروابط الجماعية أكثر هشاشة، وتزداد مخاطر التفكك الاجتماعي. ويستحضر البعض في هذا السياق تحذيرات الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي كان يعتبر أن غياب المشروع الوطني الجامع قد يحول المجتمع إلى غبار من الأفراد، وهو توصيف يعكس الخشية من ضياع الروابط التي توحد المجتمع والدولة. ورغم صعوبة المرحلة، تبقى تونس أمام تحدٍّ مصيري يتمثل في استعادة الثقة والأمل عبر إصلاحات اقتصادية واجتماعية حقيقية، قادرة على حماية الطبقة الوسطى، وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، بما يحفظ استقرار البلاد وسيادتها في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.