ويأتي هذا الإصدار، الصادر عن دار الصقلّي للنشر في 136 صفحة من الحجم المتوسط، بمقدّمة كتبها الأستاذ الجامعي في الإعلام والاتصال المهدي الجندوبي، ما يمنحه بعدًا أكاديميًا يعزّز طابعه التوثيقي. ويبدو من خلال فكرته العامة أنه لا يكتفي برصد المسارات المهنية للصحفيين، بل يفتح نافذة على وجوه أخرى من شخصياتهم، حيث يلتقي العمل الإعلامي مع الشغف والإبداع في مجالات مختلفة، بما يتيح للقارئ اكتشاف صورة أوسع للصحفي التونسي. محمد المأمون العباسي ليس اسمًا جديدًا في الساحة الإعلامية التونسية؛ فهو رئيس تحرير سابق في وكالة تونس إفريقيا للأنباء، كما شغل بين سنتي 1979 و1990 خطة مكلّف بالإعلام في مكتب الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، الشاذلي القليبي. وخلال مسيرته الطويلة، جمع بين العمل الصحفي والتدريس الجامعي، إذ تولّى أيضًا تدريس مادة "صحافة الوكالة" في معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس، إلى جانب مشاركته في هيئات تحرير عدة صحف ومجلات تونسية وأجنبية. ويحمل الكتاب الجديد امتدادًا واضحًا لمسار مؤلفه الفكري والتوثيقي، إذ سبق للعباسي أن أصدر خلال السنتين الماضيتين عملين آخرين: "مسيرة صحافي في وكالة تونس إفريقيا للأنباء وفي جامعة الدول العربية" سنة 2024، و**"جامعة الدول العربية في تونس (1979 - 1990)"** سنة 2025. وهذا التتابع في النشر يكشف عن مشروع معرفي قائم على حفظ الذاكرة المهنية والمؤسساتية، وتوثيق مراحل من التاريخ الإعلامي والدبلوماسي العربي والتونسي.
ووُلد محمد المأمون العباسي سنة 1947، والتحق بالجامعة التونسية سنة 1968، حيث نال الأستاذية في التاريخ والجغرافيا من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، إضافة إلى شهادة ختم الدراسات العليا في الصحافة من معهد الصحافة وعلوم الإخبار. ثم واصل تكوينه الجامعي في باريس، بين المعهد الفرنسي للصحافة وقسم التاريخ في جامعة السوربون، وهو ما يفسّر، إلى حدّ بعيد، الطبيعة المركبة لكتاباته التي تجمع بين الحس التاريخي والدقة الصحفية. كما انتُدب العباسي صحفيًا في وكالة تونس إفريقيا للأنباء سنة 1974، وظلّ يعمل فيها لأكثر من 33 سنة إلى أن بلغ سن التقاعد الإداري سنة 2008. وخلال هذه الفترة، راكم تجربة مهنية ثرية أتاحت له الاطلاع عن قرب على تحولات المشهد الإعلامي التونسي والعربي، فضلًا عن انفتاحه على تدريس الصحافة والتأطير الأكاديمي. وينحدر المؤلف من معتمدية البئر الأحمر بولاية تطاوين في الجنوب التونسي، وهو متزوّج وأب لثلاث بنات. ويبدو أن هذا الإصدار الجديد يندرج ضمن مسعى شخصي ومهني في آن، يروم تثمين الذاكرة الصحفية الوطنية وإبراز أسماء أسهمت في بناء المشهد الإعلامي التونسي، سواء داخل مهنة الصحافة أو في مسارات موازية أغنت الحياة الثقافية العامة.