واليوم، جاءنا الخبر السعيد: وزارة التجارة تعلن عن ضخ 9 ملايين وحدة من المياه المعلبة، من فئة لتر ونصف ولترين، في مسالك التوزيع الكبرى بتونس الكبرى. تسعة ملايين قارورة! رقم يجعل الإنسان يشعر للحظة أن الصحراء ستتحول إلى نهر، وأن العطش سيعلن استسلامه، وأن التونسي أخيرًا سيتمكن من شراء قارورة ماء من دون أن يشعر بأنه يخوض مفاوضات دولية مع بائع الحي. تسعة ملايين قارورة ماء ستدخل الأسواق خلال نهاية الأسبوع، وستتوجه خصوصًا إلى المساحات التجارية الكبرى والمتوسطة، في عملية وُصفت بأنها تهدف إلى التصدي للممارسات المنافية للمنافسة والاحتكار. جميل جدًا. فبعد أن كان المواطن يبحث عن الماء، أصبح عليه أيضًا أن يبحث عن المنافسة. وربما في مرحلة لاحقة ستصدر الوزارة بلاغًا آخر تعلن فيه ضخ خمسة ملايين قارورة من الشفافية في مسالك التوزيع، وثلاثة ملايين وحدة من النزاهة في الأسواق، ومليوني لتر من حسن النية في المؤسسات.
المشهد في حد ذاته عبثي إلى درجة يصعب معها على الكاتب الساخر أن ينافس الواقع. بلد كامل، في شهر أوت، تحت الشمس، في درجات حرارة خانقة، يجد نفسه يتعامل مع قارورة الماء كما كانت البشرية القديمة تتعامل مع الذهب. الناس تقف أمام المحلات، تتصل ببعضها البعض، تتبادل الأخبار: «وصل الماء؟»، «وين؟»، «قداش؟»، «فما؟». وكأننا لا نتحدث عن سلعة أساسية يفترض أن تكون متوفرة في دولة، بل عن كنز أثري عثرت عليه بعثة تنقيب في الصحراء. والأجمل أن أزمة الماء المعلب تأتي في الوقت الذي يعيش فيه التونسي أصلًا على وقع اضطرابات في الماء الصالح للشراب وانقطاعات الكهرباء. أي أن المواطن أصبح محاصرًا بين ثلاث فلسفات كبرى: الماء الذي لا يأتي، والكهرباء التي لا تبقى، والماء المعلب الذي لا يُعثر عليه. إنها ثلاثية تونسية تصلح لأن تكون عنوانًا لفلسفة جديدة: «الوجود والعدم والقارورة».
في بلاد أخرى، عندما ترتفع درجات الحرارة، يرتفع استهلاك الماء. وفي بلاد أخرى، عندما تتعطل شبكة التوزيع، تتدخل الدولة لتأمين البدائل. أما نحن، فقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها المواطن يراقب شاحنات المياه كما كان أجدادنا يراقبون قوافل الملح والقمح. وربما سيأتي يوم يصبح فيه وصول شاحنة مياه إلى حي شعبي حدثًا يستحق التغطية المباشرة: «عاجل: شاحنة مياه تدخل المنطقة… الجماهير تحتفل… الأطفال يلوّحون بالقوارير… والسلطات تدعو المواطنين إلى الهدوء». لكن السؤال الحقيقي ليس فقط: أين اختفى الماء؟ السؤال الأعمق هو: كيف وصلنا إلى أن يصبح العثور على الماء حدثًا؟ كيف تحوّل الشيء الأكثر بداهة في الحياة إلى سلعة نطاردها؟ كيف أصبح الإنسان الذي يفترض أن يحلم ببيت جميل، وسيارة محترمة، وتعليم جيد، وصحة جيدة، ووطن أكثر عدلًا، يختزل أحلامه في «ربي يفضّل نلقى دبوزة»؟
وهنا تكمن المفارقة الفلسفية الكبرى. الإنسان اخترع الذكاء الاصطناعي، وأرسل المركبات إلى المريخ، وصنع سيارات تقود نفسها، ويعمل اليوم على بناء آلات تتحدث وتفكر وتكتب الشعر… ونحن في المقابل نعيش واحدة من أكثر معارك الحضارة بدائية: أين توجد قارورة ماء؟ ربما لو عاد أفلاطون اليوم إلى تونس، لما سأل عن الحقيقة. وربما أرسطو لن يبحث عن الفضيلة.
وربما ديكارت لن يقول «أنا أفكر إذن أنا موجود». سيقف الثلاثة أمام باب مغازة كبرى، تحت الشمس، ويسألون السؤال الوحيد الذي يهم: «فما ماء؟». وحين تقول الوزارة إنها ستضخ تسعة ملايين قارورة، فإن الخبر في ظاهره اقتصادي وتجاري، لكنه في عمقه يحمل شيئًا من المأساة. لأن الدولة لا ينبغي أن تحتفل كثيرًا بقدرتها على توفير الماء في آخر لحظة، كما لا ينبغي للمواطن أن يعتبر العثور على قارورة انتصارًا شخصيًا. الأشياء الطبيعية في الحياة لا تحتاج إلى بطولات. الماء يجب أن يكون ماءً، والكهرباء يجب أن تكون كهرباءً، والخبز يجب أن يكون خبزًا. الدولة الجيدة هي التي تجعل الضروريات عادية، لا التي تجعل توفرها معجزة. أما الاحتكار والمضاربة، فلهما حكاية أخرى. عندما يصبح الماء نادرًا، تظهر بسرعة تلك الكائنات الاقتصادية التي لا تشرب الماء فقط، بل تشرب من الأزمة نفسها. كل ندرة تخلق سوقًا، وكل خوف يصنع سعرًا، وكل مواطن مذعور يصبح فرصة تجارية. وهنا يتحول العطش من حاجة بيولوجية إلى فرصة للمضاربة. يصبح المواطن مستعدًا لدفع أي شيء مقابل قارورة، لأن الإنسان عندما يعطش لا يعود اقتصاديًا عقلانيًا؛ يصبح فيلسوفًا يائسًا يبحث عن قطرة. لذلك فإن ضخ تسعة ملايين قارورة قد يخفف الأزمة، وربما يعيد شيئًا من التوازن إلى السوق. لكن المشكلة الأعمق لن تحلها الشاحنات وحدها. لأن السؤال ليس كم قارورة نستطيع أن ندخل إلى السوق هذا الأسبوع، بل كيف نضمن ألا نعود بعد أسبوع آخر إلى السؤال نفسه؟
نحن لا نحتاج فقط إلى ملايين القوارير. نحتاج إلى ملايين الإجراءات التي تمنع الأزمة قبل وقوعها، وإلى رقابة تجعل السوق يعمل لا عندما تصرخ الناس، بل قبل أن تصرخ. نحتاج إلى إدارة للماء تعتبره أمنًا قوميًّا، وإلى توزيع لا يترك المواطن رهينة للمضاربة، وإلى دولة لا تتحرك فقط عندما يصبح العطش عنوانًا في نشرات الأخبار. ومع ذلك، دعونا نفرح قليلًا بتسعة ملايين قارورة. ففي زمن أصبح فيه الفرح التونسي متواضعًا إلى هذا الحد، ربما تكفي قارورة باردة كي يشعر الإنسان أنه ربح معركة صغيرة ضد أغسطس، وضد العطش، وضد عبث الأيام.
لكن، يا سادة، لا تجعلوا منا شعبًا يصفق للشاحنة لأنها وصلت. لا تجعلوا المواطن يشعر أن حصوله على الماء فضلٌ إداري أو إنجازٌ تاريخي. الماء ليس منحة، وليس مكافأة، وليس جائزة لمن صبر أكثر في الطابور. الماء حق، والكرامة تبدأ أحيانًا من أبسط الأشياء: أن تفتح الصنبور فتجد ماءً، وأن تدخل المغازة فتجد قارورة، وأن تعيش في بلد لا تحتاج فيه إلى معجزة كي تشرب. أما نحن، فسنبقى نراقب القوارير التسعة ملايين وهي تدخل السوق، ونعدّها كما يعد الفلاح قطرات المطر. وسننتظر نهاية الأسبوع مثلما ينتظر العاشق رسالة من حبيبته. فإذا وجدنا الماء، سنقول: «الحمد لله». وإذا لم نجده، فسنعود إلى الفلسفة التونسية الأصيلة: «ربي يفرّج».
وفي بلدٍ أصبح فيه المواطن يخاف من انقطاع الماء، وانقطاع الكهرباء، وانقطاع البنزين، وانقطاع الحليب، وانقطاع البيض… ربما لم يبقَ لنا إلا أن نخاف يومًا من انقطاع الصبر نفسه. وحينها، لن تحتاج تونس إلى تسعة ملايين قارورة ماء. ستحتاج إلى قارورة كبيرة جدًا… من الوعي.