وأوضح رئيس البلدية، في كلمة حملت رسائل تقدير واعتراف، أن إنشاء الجامع الكبير جاء وفاءً لذكرى آلاف الجنود المسلمين الذين قاتلوا إلى جانب فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى وقدموا أرواحهم دفاعًا عنها، معتبرًا أن هذا المعلم يجسد قيم الأخوة والتعايش والوحدة داخل الجمهورية الفرنسية. وأشار إلى أن الجامع الكبير لم يعد مجرد مكان للعبادة، بل أصبح مؤسسة ثقافية واجتماعية وإنسانية تحتل مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية للعاصمة الفرنسية، بفضل أنشطته الدينية والثقافية والتعليمية، إضافة إلى مساهماته في تعزيز الحوار بين الأديان وخدمة المجتمع. كما جدد رئيس بلدية باريس دعم البلدية للمشاريع التي يقودها الجامع الكبير، معربًا عن أمله في أن تشهد فرنسا مستقبلًا إنشاء مساجد كبرى أخرى تستلهم تجربة جامع باريس في الانفتاح والحوار والاندماج.
وافتُتح الجامع الكبير بباريس عام 1926 بعد سنوات من انتهاء الحرب العالمية الأولى، وشُيّد تكريمًا لعشرات الآلاف من الجنود المسلمين الذين سقطوا في ساحات القتال دفاعًا عن فرنسا. ويُعد من أقدم وأبرز المعالم الإسلامية في أوروبا، ويتميز بطرازه المعماري المستوحى من العمارة المغربية والأندلسية، ويضم قاعة للصلاة ومكتبة وحدائق وقاعات للمحاضرات، إلى جانب معهد لتعليم اللغة العربية والثقافة الإسلامية. وخلال العقود الماضية، لعب الجامع دورًا محوريًا في تمثيل الإسلام المعتدل في فرنسا، كما ساهم في تنظيم الأنشطة الدينية خلال شهر رمضان والأعياد الإسلامية، إضافة إلى جهوده في مكافحة التطرف وترسيخ قيم المواطنة والعيش المشترك.
وتضم العاصمة الفرنسية عشرات أماكن العبادة الإسلامية، غير أن عدداً من المساجد اكتسب مكانة بارزة بسبب حجمه أو تاريخه أو نشاطه الديني والثقافي، ومن أبرزها:
الجامع الكبير بباريس: أقدم وأشهر مسجد في العاصمة، ويُعد المرجعية الدينية والثقافية الأبرز للمسلمين في باريس.
مسجد عمر: من أقدم المساجد التي أنشأتها الجالية المسلمة في باريس، ويشهد حضورًا كبيرًا خاصة خلال صلاة الجمعة وشهر رمضان.
مسجد التوحيد: يقع في شمال شرق باريس ويستقطب أعدادًا كبيرة من المصلين، ويقدم برامج تعليمية لتحفيظ القرآن وتعليم اللغة العربية.
مسجد الإيمان: يشتهر بأنشطته الاجتماعية والدروس الدينية الموجهة للشباب والعائلات.
مركز باريس الإسلامي: يجمع بين الوظيفة الدينية والثقافية، ويستضيف لقاءات للحوار بين مختلف مكونات المجتمع الفرنسي.
وإلى جانب هذه المؤسسات، تنتشر في باريس وضواحيها عشرات قاعات الصلاة والمراكز الإسلامية التي تلبي احتياجات مئات الآلاف من المسلمين المنحدرين من أصول مغاربية وإفريقية وآسيوية وأوروبية.و تُعد فرنسا موطنًا لأكبر جالية مسلمة في أوروبا الغربية، إذ يُقدَّر عدد المسلمين بعدة ملايين، ما يجعل المساجد تؤدي دورًا يتجاوز إقامة الشعائر الدينية، لتصبح فضاءات للتعليم والثقافة والتكافل الاجتماعي والحوار مع بقية مكونات المجتمع. ورغم الجدل الذي يرافق بين الحين والآخر قضايا بناء المساجد أو تنظيم الشأن الديني الإسلامي في فرنسا، فإن العديد من المسؤولين المحليين يؤكدون أهمية هذه المؤسسات في تعزيز الاندماج ومكافحة التطرف، من خلال توفير فضاءات دينية وثقافية منظمة تحترم مبادئ الجمهورية والقوانين الفرنسية.
ويأتي احتفال الجامع الكبير بباريس بمئويته ليعيد تسليط الضوء على هذا الصرح التاريخي، الذي ظل على مدى قرن شاهدًا على تطور العلاقة بين الدولة الفرنسية ومواطنيها المسلمين، ورمزًا للحوار والتعايش والانفتاح الثقافي بين مختلف مكونات المجتمع.

