لا تحتاج هذه السرقة إلى قناع أسود، ولا إلى كسر خزائن، ولا إلى مشاهد من أفلام هوليوود. يكفي أن يغيب الضمير، حتى تتحول الأسلاك إلى غنيمة، ويتحول التيار الكهربائي إلى "حق مجاني" يدفع ثمنه الآخرون.
والأغرب من ذلك أن السارق لا يرى نفسه لصًا، بل يعتبر نفسه أذكى من القانون وأكثر قدرة على التحايل. في المقابل، يكتشف المواطن الذي يسدد فاتورته بانتظام أنه لا يدفع ثمن ما استهلكه فحسب، بل يتحمل أيضًا كلفة "عبقرية" من قرر أن الكهرباء هبة مجانية لا علاقة لها بالعداد. إنها معادلة مقلوبة؛ فكلما ازداد احترامك للقانون، ارتفعت فاتورتك، وكلما ازداد التحايل عليه، خفّ حملك... وثقل حمل غيرك. فأي عدالة هذه التي تجعل الأمانة مكلفة، والغش مربحًا؟ ولمن يعتقد أن الأمر مجرد مبالغة صحفية، تكفي الأرقام لتتحدث. فقد أعلنت الشركة التونسية للكهرباء والغاز، في سنوات سابقة، أن الخسائر الناجمة عن الغش وسرقة الكهرباء بلغت نحو 200 مليون دينار سنويًا، أي ما يعادل قرابة 6% من رقم معاملاتها آنذاك. كما ارتفع عدد حالات سرقة الكهرباء، وفق معطيات الشركة، من حوالي 4 آلاف حالة سنة 2011 إلى نحو 11 ألف حالة سنة 2014. إنها أرقام لا تعكس مجرد مخالفات، بل تروي قصة وطن لم يعد بعض أبنائه يسرقون الكهرباء فقط، وإنما يسرقون حق الجميع في الضوء، ويثقلون كاهل كل مواطن يحترم القانون.
لقد اخترع الإنسان منذ القدم ميزان العدالة، أما نحن فكأننا أوشكنا أن نخترع ميزانًا جديدًا، تُوزن فيه الفواتير بضمائر الناس. فالكهرباء لا تعرف أسماءنا، ولا تميز بين غني وفقير، ولا بين مسؤول ومواطن بسيط؛ إنها تمنح النور للجميع بالتساوي. لكن الإنسان وحده قادر على تحويل هذا النور إلى ظلم. فسرقة الكهرباء ليست سرقة أسلاك أو كيلوواط/ساعة فحسب، بل هي سرقة للثقة، وسلب لإحساس المواطن بأن التزامه له قيمة. فعندما يرى الملتزم أنه يدفع، بينما يتحايل غيره دون رادع، لا تنطفئ المصابيح وحدها، بل ينطفئ شيء أخطر في النفوس: الإيمان بالعدالة. وعندما يصبح الاعتداء على المرفق العام سلوكًا مألوفًا، لا ينطفئ الضوء في البيوت فقط، بل يخفت أيضًا نور الضمير. فالأوطان لا يطفئها نقص الكهرباء وحده، وإنما يطفئها ذلك الشعور القاسي بأن المواطن الشريف أصبح يمول اللص، ثم يُطلب منه، بعد ذلك، أن يقتصد في استهلاك الطاقة. عندها لا يعود السؤال الحقيقي: من سرق الكهرباء؟ بل يصبح السؤال الأعمق والأكثر إيلامًا: من سرق المعنى الجميل للمواطنة؟

