عاجل
مجتمع

الضوء المسروق... والعدالة المطفأة

سرقة الكهرباء، الجريمة التي يدفع ثمنها الجميع
سرقة الكهرباء، الجريمة التي يدفع ثمنها الجميع

سرقة الكهرباء، الجريمة التي يدفع ثمنها الجميع

سرقة الكهرباء ليست مجرد استيلاء على الطاقة، بل اعتداء على المال العام ومبدأ العدالة، إذ يتحمل المواطن الملتزم كلفة من يتحايل على القانون. ومع اتساع الظاهرة، يصبح تطبيق القانون وحماية المرافق العمومية شرطًا أساسيًا لاستعادة الثقة وترسيخ المواطنة.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 2 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
في بعض البلدان يسرق اللص المال أو الممتلكات، أما في تونس، فقد أصبح البعض يسرق... الضوء. ويا لها من سرقة غريبة!
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

لا تحتاج هذه السرقة إلى قناع أسود، ولا إلى كسر خزائن، ولا إلى مشاهد من أفلام هوليوود. يكفي أن يغيب الضمير، حتى تتحول الأسلاك إلى غنيمة، ويتحول التيار الكهربائي إلى "حق مجاني" يدفع ثمنه الآخرون.

والأغرب من ذلك أن السارق لا يرى نفسه لصًا، بل يعتبر نفسه أذكى من القانون وأكثر قدرة على التحايل. في المقابل، يكتشف المواطن الذي يسدد فاتورته بانتظام أنه لا يدفع ثمن ما استهلكه فحسب، بل يتحمل أيضًا كلفة "عبقرية" من قرر أن الكهرباء هبة مجانية لا علاقة لها بالعداد. إنها معادلة مقلوبة؛ فكلما ازداد احترامك للقانون، ارتفعت فاتورتك، وكلما ازداد التحايل عليه، خفّ حملك... وثقل حمل غيرك. فأي عدالة هذه التي تجعل الأمانة مكلفة، والغش مربحًا؟ ولمن يعتقد أن الأمر مجرد مبالغة صحفية، تكفي الأرقام لتتحدث. فقد أعلنت الشركة التونسية للكهرباء والغاز، في سنوات سابقة، أن الخسائر الناجمة عن الغش وسرقة الكهرباء بلغت نحو 200 مليون دينار سنويًا، أي ما يعادل قرابة 6% من رقم معاملاتها آنذاك. كما ارتفع عدد حالات سرقة الكهرباء، وفق معطيات الشركة، من حوالي 4 آلاف حالة سنة 2011 إلى نحو 11 ألف حالة سنة 2014. إنها أرقام لا تعكس مجرد مخالفات، بل تروي قصة وطن لم يعد بعض أبنائه يسرقون الكهرباء فقط، وإنما يسرقون حق الجميع في الضوء، ويثقلون كاهل كل مواطن يحترم القانون.

جدل في مصر بعد طرح دورة مدفوعة لتعليم تعدد الزوجات
إقرأ كذلك
جدل في مصر بعد طرح دورة مدفوعة لتعليم تعدد الزوجات
نشر يوم 2026-07-22

لقد اخترع الإنسان منذ القدم ميزان العدالة، أما نحن فكأننا أوشكنا أن نخترع ميزانًا جديدًا، تُوزن فيه الفواتير بضمائر الناس. فالكهرباء لا تعرف أسماءنا، ولا تميز بين غني وفقير، ولا بين مسؤول ومواطن بسيط؛ إنها تمنح النور للجميع بالتساوي. لكن الإنسان وحده قادر على تحويل هذا النور إلى ظلم. فسرقة الكهرباء ليست سرقة أسلاك أو كيلوواط/ساعة فحسب، بل هي سرقة للثقة، وسلب لإحساس المواطن بأن التزامه له قيمة. فعندما يرى الملتزم أنه يدفع، بينما يتحايل غيره دون رادع، لا تنطفئ المصابيح وحدها، بل ينطفئ شيء أخطر في النفوس: الإيمان بالعدالة. وعندما يصبح الاعتداء على المرفق العام سلوكًا مألوفًا، لا ينطفئ الضوء في البيوت فقط، بل يخفت أيضًا نور الضمير. فالأوطان لا يطفئها نقص الكهرباء وحده، وإنما يطفئها ذلك الشعور القاسي بأن المواطن الشريف أصبح يمول اللص، ثم يُطلب منه، بعد ذلك، أن يقتصد في استهلاك الطاقة. عندها لا يعود السؤال الحقيقي: من سرق الكهرباء؟ بل يصبح السؤال الأعمق والأكثر إيلامًا: من سرق المعنى الجميل للمواطنة؟

ألمانيا وتونس: الهجرة أولًا والاقتصاد ثانيًا والطاقة في الخلفية
إقرأ كذلك
ألمانيا وتونس: الهجرة أولًا والاقتصاد ثانيًا والطاقة في الخلفية
نشر يوم 2026-09-02

أضف تعليق






اقرأ أيضا

الصراع التونسي في الخارج، من واشنطن إلى بروكسيل

هل أصبح الخارج ساحة للصراع السياسي في تونس؟

تحقيق يتتبع بالوثائق مسار شبكات الضغط السياسي حول تونس من واشنطن وباريس إلى جنيف...

إقرأ المزيد
ثغرات التمديد، كيف تضيع حقوق الدولة في غياب الحسم القانوني

​واقع الثروات الطبيعية بين التطلعات الشعبية والالتزامات الدولية

تعتبر إدارة الثروات الطبيعية من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس، حيث ظلت عقود ا...

إقرأ المزيد
التلفزة التونسية تؤكد تمسك النادي الافريقي بالبث الحصري الرقمي

التلفزة التونسية تعرب عن أسفها لعدم بث مباراة النادي الإفريقي

​أصدرت مؤسسة التلفزة التونسية بيانًا رسميًا، أبدت فيه أسفها الشديد لعدم التمكن م...

إقرأ المزيد
أين تنتهي الأزمات وتبدأ المؤامرة؟

التخريب المنظم في تونس، أزمات أم مخطط لزعزعة الاستقرار؟

التخريب المنظم في تونس.. قراءة في أزمات نقص المواد والهجرة وانقطاع الكهرباء، بين...

إقرأ المزيد
من زيت الزيتون إلى التمور، تونس تبحث أسواق جديدة في باريس

باريس تفتح أبوابها للابتكار والاستثمار والمنتجات التونسية

تتحول باريس، من 17 إلى 21 أكتوبر 2026، إلى عاصمة عالمية للصناعات الغذائية، مع تن...

إقرأ المزيد
عندما تصبح الميدالية أهم من صناعة البطل

بين الميدالية والانتماء، أين يقف التجنيس الرياضي؟

لم تعد الرياضة في عالم اليوم مجرد منافسة داخل الملاعب، بل أصبحت أيضًا ساحة مفتوح...

إقرأ المزيد
تربية المواشي في فرنسا، الليموزين تتصدر المشهد

فرنسا تعرض آخر ابتكاراتها في مجال تربية المواشي

تستعد مدينة كليرمون فيراند الفرنسية لاحتضان دورة 2026 من قمة تربية المواشي، أحد ...

إقرأ المزيد
رواية عسكرية تفتح ملف التدخلات الخارجية في النيجر

محاولة انقلاب في النيجر: هذا ما حدث ليلة 28 أوت في نيامي

كشف النقيب روجر غابرييل، قائد سرية في الكتيبة الأولى للمظليين بالنيجر، تفاصيل جد...

إقرأ المزيد
ألمانيا وتونس: الهجرة أولًا والاقتصاد ثانيًا والطاقة في الخلفية

ماذا تنتظر ألمانيا من تونس؟

كشفت زيارة يوهان فاديفول وزير خارجية ألمانيا أولويات برلين أن ملفات الهجرة والأم...

إقرأ المزيد
مصر: طالبات مدرسة فرشوط تتألق في مسابقة أصدقاء المكتبة

مصر: تتويج ثقافي متميز في محافظة قنا

حققت مديرية التربية والتعليم بمحافظة قنا في مصر إنجازًا متميزًا على مستوى الجمهو...

إقرأ المزيد