لا شك أن المواطن التونسي يواجه صعوبات يومية تتعلق بارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وبعض الإشكاليات المرتبطة بالخدمات العمومية، وهي تحديات لا تنكرها الدولة ولا يغفلها الشارع. لكن تحويل هذه الصعوبات إلى دليل على رفض شامل للنظام السياسي الحالي يبقى استنتاجًا يحتاج إلى قراءة أكثر دقة، خاصة في ظل غياب مؤشرات ميدانية تؤكد وجود حراك شعبي واسع يطالب بتغيير جذري. فالاحتجاجات التي شهدتها بعض المناطق أو التي حاولت بعض الأطراف السياسية استثمارها إعلاميًا، بقيت محدودة من حيث الحجم والانتشار، ولم تتحول إلى موجة شعبية عارمة تعكس قطيعة بين الدولة والمجتمع. كما أن إطلاق شعارات تعود إلى مرحلة 2011 لا يعني بالضرورة عودة نفس السياق التاريخي أو تكرار نفس السيناريوهات، فالمجتمع التونسي اليوم يعيش واقعًا سياسيًا مختلفًا، ولديه تجربة عشرية كاملة مع منظومات حكم سابقة. ومن المهم التذكير بأن الرئيس قيس سعيّد وصل إلى السلطة عبر انتخابات رئاسية حرة حظيت بمشاركة شعبية واسعة، وأن جزءًا كبيرًا من التونسيين اختاروا آنذاك القطع مع الطبقة السياسية التي حكمت البلاد بعد الثورة، والتي حمّلها كثيرون مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانتشار الفساد وتعطل الإصلاحات. كما أن القول إن الشارع التونسي يريد العودة إلى ما قبل 25 جويلية 2021 يتجاهل حقيقة سياسية أساسية، وهي أن شريحة واسعة من المواطنين ما زالت ترى في تلك المرحلة نقطة تحول أنهت حالة من الجمود السياسي والصراعات الحزبية التي طبعت السنوات السابقة. وبالنسبة لهؤلاء، فإن الأولوية ليست العودة إلى المنظومة القديمة، بل تحقيق نتائج ملموسة في ملفات التنمية والخدمات ومقاومة الفساد.
إن الأزمات التي تواجه تونس، من ارتفاع درجات الحرارة إلى الضغط على شبكات الكهرباء والمياه، ليست ظواهر مرتبطة بدولة واحدة أو بنظام سياسي معين، بل هي تحديات تواجهها دول عديدة نتيجة التغيرات المناخية والضغوط الاقتصادية العالمية.
كما أن معالجة هذه الملفات تحتاج إلى خطط طويلة المدى واستثمارات وإصلاحات هيكلية، وليس فقط إلى توظيف سياسي ظرفي لكل أزمة. أما الحديث عن أن شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" يعبر عن عودة نفس موجة 2011، فهو قراءة تتجاهل اختلاف الظروف. فالشعب التونسي الذي خرج قبل أكثر من عقد للمطالبة بالكرامة والعدالة الاجتماعية، خاض بعدها تجربة سياسية معقدة، وشاهد أداء مختلف الحكومات والأحزاب، وهو اليوم أكثر حذرًا في خياراته وأكثر تمسكًا بما يعتبره استقرارًا سياسيًا. لا يعني ذلك أن السلطة الحالية بمنأى عن النقد أو أن التحديات غير موجودة. فالمواطن من حقه أن يطالب بتحسين الخدمات، ومزيد من العدالة الاجتماعية، وتسريع الإصلاحات الاقتصادية. لكن الفرق كبير بين المطالبة بالإصلاح وبين الادعاء بوجود رفض شعبي شامل للنظام، وهو ما لا تعكسه الوقائع على الأرض.
إن قراءة المشهد التونسي بموضوعية تقتضي الاعتراف بوجود صعوبات حقيقية، ولكنها تقتضي أيضًا احترام إرادة الناخبين وخياراتهم السياسية. فالشعب التونسي قال كلمته في صناديق الاقتراع، وأثبت خلال السنوات الماضية أنه قادر على تغيير مواقفه عندما يرى ضرورة لذلك، لكنه في الوقت نفسه لا يبدو مستعدًا للعودة إلى مرحلة يعتبرها كثيرون سببًا في الأزمات التي سبقت التحولات السياسية الأخيرة. ويبقى التحدي الحقيقي أمام الجميع، سلطة ومعارضة ومجتمعًا مدنيًا، ليس استعادة صراعات الماضي، بل تقديم حلول عملية تحسن حياة التونسيين، لأن الحكم في النهاية لا يُقاس بالشعارات، وإنما بمدى القدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية والاستجابة لتطلعات المواطنين.

