وفي هذا السياق، وبحسب المعطيات المتداولة، لا يقتصر التحرك الدبلوماسي على إعادة تنشيط التعاون القضائي بين الطرفين، بل يتجاوزه إلى ملفات شديدة الحساسية، في مقدمتها ملف الأموال المنهوبة أو ما يُعرف في الأدبيات القانونية الفرنسية بـ biens mal acquis، إضافة إلى دراسة طلبات تسليم تتعلق بشخصيات جزائرية مدانة أو فارّة إلى فرنسا، وهو ما يعكس انتقال العلاقات من مستوى التصريحات السياسية العامة إلى مستوى الملفات القضائية الدقيقة ذات الطابع التقني والسيادي. ولفهم هذا التطور، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية للعلاقة بين البلدين، حيث خضعت الجزائر لفرنسا بين 1830 و1962 في فترة استعمارية طويلة خلّفت جروحًا سياسية وثقافية واقتصادية عميقة، ورغم الاستقلال بقيت آثار تلك المرحلة حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية، إذ لم تنجح محاولات بناء شراكة مستقرة بالكامل، بسبب استمرار الخلاف حول ملفات الذاكرة الاستعمارية، والأرشيف، والتجارب النووية في الصحراء الجزائرية، وهي ملفات ظلت تُستخدم أحيانًا كأدوات ضغط سياسي متبادل بين الجانبين. ومع مرور الزمن، انتقلت العلاقة من الصراع التاريخي المباشر إلى ملفات التعاون الأمني والهجرة والطاقة، لكنها بقيت رهينة التوازنات السياسية الداخلية في البلدين، إضافة إلى حساسية الرأي العام الجزائري تجاه أي ملف يتعلق بالسيادة أو الفساد أو بتدخل القضاء الفرنسي، وهو ما جعل كل خطوة تقارب تُقابل بحذر شديد من الطرفين، حتى عندما تكون مدفوعة بمصالح مشتركة واضحة. وفي هذا الإطار، يأتي فتح ملف الأموال المنهوبة ليعيد إلى الواجهة قضية لطالما أثارت جدلاً واسعًا في أفريقيا، إذ سبق للقضاء الفرنسي أن تابع شخصيات سياسية واقتصادية من دول إفريقية عدة على خلفية شبهات فساد وتبييض أموال، وهو ما منح هذا الملف بعدًا دوليًا يتجاوز الحالة الجزائرية وحدها، لكنه في السياق الجزائري يكتسب حساسية مضاعفة بالنظر إلى ارتباطه بنخب سياسية وإدارية لعبت أدوارًا مركزية خلال مراحل مفصلية من تاريخ البلاد، خصوصًا في فترة ما بعد العشرية السوداء وبداية الألفية الثالثة. وبناءً على ذلك، فإن إعادة فتح هذا الملف ضمن سياق تعاون فرنسي-جزائري متجدد قد يؤدي عمليًا إلى تعزيز تبادل المعلومات القضائية والمالية بين البلدين، وهو ما لم يكن مطروحًا بنفس المستوى من الانفتاح في السابق، الأمر الذي قد يغيّر قواعد التعامل مع قضايا الفساد العابرة للحدود، ويضعها في إطار أكثر تنظيمًا ووضوحًا من الناحية القانونية.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز مسألة تسليم المطلوبين كأحد أكثر الملفات تعقيدًا، إذ لطالما شكّلت فرنسا ملاذًا قانونيًا لعدد من المعارضين أو المدانين من دول شمال إفريقيا، سواء بسبب اختلاف الأنظمة القضائية أو الاعتبارات الحقوقية أو حتى الحسابات السياسية، غير أن إدراج قضاة فرنسيين ضمن الوفد الرسمي يعكس رغبة واضحة في نقل التعاون من المستوى السياسي العام إلى مستوى تقني قضائي مباشر، بما قد يسرّع معالجة الملفات العالقة منذ سنوات طويلة. لكن رغم هذا التوجه، يبقى مسار التسليم محفوفًا بالتعقيدات القانونية، إذ تلتزم فرنسا بمعايير صارمة في مجال حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة، ما يعني أن أي طلب تسليم سيخضع لتدقيق دقيق قبل اتخاذ القرار النهائي، وهو ما يجعل هذا الملف مجالاً حساسًا للتوازن بين متطلبات العدالة والتزامات السيادة وحماية الحقوق الفردية. ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا التقارب القضائي عن السياق السياسي الأوسع للعلاقات الفرنسية-الجزائرية، التي عرفت في السنوات الأخيرة توترات متكررة بسبب ملفات الهجرة والتصريحات السياسية والأزمات الدبلوماسية المتقطعة، غير أن الطرفين يدركان في المقابل أن هناك مصالح استراتيجية مشتركة تفرض حدًا أدنى من التعاون، سواء في ملف الأمن الإقليمي بمنطقة الساحل أو في قضايا الطاقة والاستثمار. وانطلاقًا من هذا التوازن، تبدو العلاقات اليوم وكأنها تعيد تشكيل نفسها ضمن منطق التعاون المشروط، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع الضرورات الاقتصادية والأمنية، دون أن تنجح بالكامل في تجاوز إرث الماضي، وهو ما يعيدنا إلى نقطة البداية: علاقة لم تنفصل يومًا عن تاريخها الاستعماري، لكنها في الوقت نفسه لم تعد قادرة على تجاهله بالكامل. وخلاصة القول، يمكن اعتبار هذا التحرك القضائي بين باريس والجزائر خطوة إضافية نحو تطبيع تقني للعلاقات، لكنه لا يرتقي بعد إلى مستوى مصالحة سياسية شاملة، لأن الملفات المطروحة، من الأموال المنهوبة إلى تسليم المطلوبين، تظل قابلة في أي لحظة لأن تتحول من أدوات تعاون إلى أدوات توتر، في علاقة ما تزال محكومة بذاكرة ثقيلة وحسابات استراتيجية متشابكة.