عاجل
سياسة

تقارب فرنسي جزائري حول تسليم المطلوبين وملف الأموال المنهوبة

الأموال المنهوبة وتسليم المطلوبين نهج لتطبيع العلاقات الفرنسية الجزائرية
الأموال المنهوبة وتسليم المطلوبين نهج لتطبيع العلاقات الفرنسية الجزائرية

الأموال المنهوبة وتسليم المطلوبين نهج لتطبيع العلاقات الفرنسية الجزائرية

تشهد العلاقات الفرنسية الجزائرية تحركًا جديدًا يتمثل في تعزيز التعاون القضائي، خاصة عبر فتح ملف الأموال المنهوبة والنظر في طلبات تسليم مطلوبين جزائريين في فرنسا. هذا التطور يعكس انتقال العلاقة إلى مستوى تقني أكثر منه سياسي، لكنه يظل محكومًا بإرث استعماري ثقيل وملفات حساسة قد تعيد التوتر في أي لحظة رغم المصالح المشتركة بين البلدين.
‫
كتب : ‫‫نذير عزوز‬‬ / تونس - المساء
⏱ 3 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
يشكّل اللقاء الذي جمع وزير العدل الفرنسي بنظيره الجزائري، واستقباله من طرف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، محطة جديدة في مسار العلاقات المتقلبة بين باريس والجزائر، والتي ظلت لعقود تتأرجح بين التقارب الحذر والتوتر السياسي والذاكرة الاستعمارية الثقيلة، ما يجعل هذا التطور الأخير امتدادًا طبيعيًا لسلسلة طويلة من محاولات إعادة بناء الثقة بين البلدين دون الوصول إلى مصالحة نهائية مستقرة.
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

وفي هذا السياق، وبحسب المعطيات المتداولة، لا يقتصر التحرك الدبلوماسي على إعادة تنشيط التعاون القضائي بين الطرفين، بل يتجاوزه إلى ملفات شديدة الحساسية، في مقدمتها ملف الأموال المنهوبة أو ما يُعرف في الأدبيات القانونية الفرنسية بـ biens mal acquis، إضافة إلى دراسة طلبات تسليم تتعلق بشخصيات جزائرية مدانة أو فارّة إلى فرنسا، وهو ما يعكس انتقال العلاقات من مستوى التصريحات السياسية العامة إلى مستوى الملفات القضائية الدقيقة ذات الطابع التقني والسيادي. ولفهم هذا التطور، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية للعلاقة بين البلدين، حيث خضعت الجزائر لفرنسا بين 1830 و1962 في فترة استعمارية طويلة خلّفت جروحًا سياسية وثقافية واقتصادية عميقة، ورغم الاستقلال بقيت آثار تلك المرحلة حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية، إذ لم تنجح محاولات بناء شراكة مستقرة بالكامل، بسبب استمرار الخلاف حول ملفات الذاكرة الاستعمارية، والأرشيف، والتجارب النووية في الصحراء الجزائرية، وهي ملفات ظلت تُستخدم أحيانًا كأدوات ضغط سياسي متبادل بين الجانبين. ومع مرور الزمن، انتقلت العلاقة من الصراع التاريخي المباشر إلى ملفات التعاون الأمني والهجرة والطاقة، لكنها بقيت رهينة التوازنات السياسية الداخلية في البلدين، إضافة إلى حساسية الرأي العام الجزائري تجاه أي ملف يتعلق بالسيادة أو الفساد أو بتدخل القضاء الفرنسي، وهو ما جعل كل خطوة تقارب تُقابل بحذر شديد من الطرفين، حتى عندما تكون مدفوعة بمصالح مشتركة واضحة. وفي هذا الإطار، يأتي فتح ملف الأموال المنهوبة ليعيد إلى الواجهة قضية لطالما أثارت جدلاً واسعًا في أفريقيا، إذ سبق للقضاء الفرنسي أن تابع شخصيات سياسية واقتصادية من دول إفريقية عدة على خلفية شبهات فساد وتبييض أموال، وهو ما منح هذا الملف بعدًا دوليًا يتجاوز الحالة الجزائرية وحدها، لكنه في السياق الجزائري يكتسب حساسية مضاعفة بالنظر إلى ارتباطه بنخب سياسية وإدارية لعبت أدوارًا مركزية خلال مراحل مفصلية من تاريخ البلاد، خصوصًا في فترة ما بعد العشرية السوداء وبداية الألفية الثالثة. وبناءً على ذلك، فإن إعادة فتح هذا الملف ضمن سياق تعاون فرنسي-جزائري متجدد قد يؤدي عمليًا إلى تعزيز تبادل المعلومات القضائية والمالية بين البلدين، وهو ما لم يكن مطروحًا بنفس المستوى من الانفتاح في السابق، الأمر الذي قد يغيّر قواعد التعامل مع قضايا الفساد العابرة للحدود، ويضعها في إطار أكثر تنظيمًا ووضوحًا من الناحية القانونية.

قيس سعيد يطلق برنامج استعادة آلاف المليارات من الأموال المنهوبة
إقرأ كذلك
قيس سعيد يطلق برنامج استعادة آلاف المليارات من الأموال المنهوبة
نشر يوم 2022-12-08

وبالتوازي مع ذلك، تبرز مسألة تسليم المطلوبين كأحد أكثر الملفات تعقيدًا، إذ لطالما شكّلت فرنسا ملاذًا قانونيًا لعدد من المعارضين أو المدانين من دول شمال إفريقيا، سواء بسبب اختلاف الأنظمة القضائية أو الاعتبارات الحقوقية أو حتى الحسابات السياسية، غير أن إدراج قضاة فرنسيين ضمن الوفد الرسمي يعكس رغبة واضحة في نقل التعاون من المستوى السياسي العام إلى مستوى تقني قضائي مباشر، بما قد يسرّع معالجة الملفات العالقة منذ سنوات طويلة. لكن رغم هذا التوجه، يبقى مسار التسليم محفوفًا بالتعقيدات القانونية، إذ تلتزم فرنسا بمعايير صارمة في مجال حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة، ما يعني أن أي طلب تسليم سيخضع لتدقيق دقيق قبل اتخاذ القرار النهائي، وهو ما يجعل هذا الملف مجالاً حساسًا للتوازن بين متطلبات العدالة والتزامات السيادة وحماية الحقوق الفردية. ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا التقارب القضائي عن السياق السياسي الأوسع للعلاقات الفرنسية-الجزائرية، التي عرفت في السنوات الأخيرة توترات متكررة بسبب ملفات الهجرة والتصريحات السياسية والأزمات الدبلوماسية المتقطعة، غير أن الطرفين يدركان في المقابل أن هناك مصالح استراتيجية مشتركة تفرض حدًا أدنى من التعاون، سواء في ملف الأمن الإقليمي بمنطقة الساحل أو في قضايا الطاقة والاستثمار. وانطلاقًا من هذا التوازن، تبدو العلاقات اليوم وكأنها تعيد تشكيل نفسها ضمن منطق التعاون المشروط، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع الضرورات الاقتصادية والأمنية، دون أن تنجح بالكامل في تجاوز إرث الماضي، وهو ما يعيدنا إلى نقطة البداية: علاقة لم تنفصل يومًا عن تاريخها الاستعماري، لكنها في الوقت نفسه لم تعد قادرة على تجاهله بالكامل. وخلاصة القول، يمكن اعتبار هذا التحرك القضائي بين باريس والجزائر خطوة إضافية نحو تطبيع تقني للعلاقات، لكنه لا يرتقي بعد إلى مستوى مصالحة سياسية شاملة، لأن الملفات المطروحة، من الأموال المنهوبة إلى تسليم المطلوبين، تظل قابلة في أي لحظة لأن تتحول من أدوات تعاون إلى أدوات توتر، في علاقة ما تزال محكومة بذاكرة ثقيلة وحسابات استراتيجية متشابكة.

الكرملين يوسع قبضته على الشركات الغربية
إقرأ كذلك
الكرملين يوسع قبضته على الشركات الغربية
نشر يوم 2026-09-23

أضف تعليق






اقرأ أيضا

الكرملين يوسع قبضته على الشركات الغربية

روسيا تضع يدها على أصول شركات غربية

في خطوة تطرح تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات الأجنبية في روسيا، يتناول القرار ال...

إقرأ المزيد
نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة

وثائقي إسرائيلي يفتح ملف الحرب على غزة من داخل المؤسسة العسكرية

شهادات 24 عسكريًا إسرائيليًا، واتهامات بالتعتيم الإعلامي، ومواجهة مع الحكومة، و...

إقرأ المزيد
اللحوم الموردة في تونس، قصة أحمد العميري

اللحوم الموردة: من ميزان السوق إلى ميزان العدالة

قضية اللحوم الموردة في تونس تفتح ملف المال العام وصحة المستهلك، وتأتي حيثياتها ب...

إقرأ المزيد
هجرة الشباب تكشف أزمة الاتصال العمومي في تونس

تونس وصورة الدولة: الاتصال العمومي وهجرة الشباب

أزمة الاتصال العمومي في تونس تتقاطع مع هجرة الشباب والكفاءات نحو أوروبا، في وقت ...

إقرأ المزيد
صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يهز الجدار الناري

لماذا صعد اليمين المتطرف في ألمانيا؟

صعود AfD في ألمانيا إلى 43.8% يفتح سؤالًا صعبًا: هل تستطيع الديمقراطية الألمانية...

إقرأ المزيد
كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما في كينيا

كينيا وإيطاليا: كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما

كينيا توقّع مع مجموعة GKSD الإيطالية مشروعًا لبناء 15 مستشفى باستثمار 419 مليون ...

إقرأ المزيد
بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات

الجزائر تقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات

أعلنت الحكومة الجزائرية، اليوم الخميس 10 سبتمبر 2026، قرارها قطع العلاقات الدبلو...

إقرأ المزيد
الصراع التونسي في الخارج، من واشنطن إلى بروكسيل

هل أصبح الخارج ساحة للصراع السياسي في تونس؟

تحقيق يتتبع بالوثائق مسار شبكات الضغط السياسي حول تونس من واشنطن وباريس إلى جنيف...

إقرأ المزيد
ثغرات التمديد، كيف تضيع حقوق الدولة في غياب الحسم القانوني

​واقع الثروات الطبيعية بين التطلعات الشعبية والالتزامات الدولية

تعتبر إدارة الثروات الطبيعية من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس، حيث ظلت عقود ا...

إقرأ المزيد
التلفزة التونسية تؤكد تمسك النادي الافريقي بالبث الحصري الرقمي

التلفزة التونسية تعرب عن أسفها لعدم بث مباراة النادي الإفريقي

​أصدرت مؤسسة التلفزة التونسية بيانًا رسميًا، أبدت فيه أسفها الشديد لعدم التمكن م...

إقرأ المزيد