وفي هذا السياق، برزت مؤخرًا وقفة احتجاجية نظمها عدد من الأئمة، في سابقة لافتة أثارت جدلًا واسعًا بين الرأي العام والجهات المعنية. فقد رفع المشاركون، وهم أئمة مساجد، شعارات تطالب بتحسين أوضاعهم الاجتماعية، ما فتح باب التساؤل مجددًا: هل الإمامة مجرد وظيفة، أم هي مسؤولية دينية سامية؟ وبالتعمق في هذا الملف الحساس، خاصة في هذا التوقيت، يمكن الوقوف عند جملة من الملاحظات. أولًا، يلاحظ غياب واضح لمفهوم الإمامة كرسالة دينية لدى بعض الأئمة، حيث يُنظر إليها باعتبارها وظيفة ومصدر رزق، لا دورًا إصلاحيًا وتوجيهيًا في المجتمع، رغم أهميتها في تأطير المصلين والارتقاء بوعيهم. ثانيًا، يُطرح إشكال مستوى التأهيل العلمي لدى عدد من الأئمة، إذ يبدو أن ضعف التكوين، في بعض الحالات، يؤدي إلى الخلط بين البعد الرسالي للإمامة ومتطلبات الوظيفة، وهو ما ينعكس على أدائهم وخطابهم الديني.
ثالثًا، تبرز أيضًا مسؤولية الجهات المشرفة، في ظل ما يُلاحظ من قصور في وضع إطار قانوني واضح ودقيق يحدد شروط اختيار الإمام الكفء، القادر على الجمع بين العلم، والاعتدال، والقدرة على التأثير الإيجابي في المجتمع. كما لا يمكن إغفال وجود بعض الممارسات الموازية، حيث ينخرط بعض الأئمة في أنشطة ذات طابع ديني مقابل عائد مادي، مثل التعليم في الكتاتيب، أو إحياء المناسبات الدينية كرمضان، والجنائز، وعودة الحجاج والمعتمرين، وهو ما يطرح تساؤلات إضافية حول تنظيم هذا المجال وضبطه. وتظل الإمامة، في جوهرها، مسؤولية دينية وأخلاقية قبل أن تكون وظيفة، تتطلب وعيًا عميقًا بدورها في بناء الفرد والمجتمع. ولعل الرسالة قد وصلت إلى من يهمهم الأمر، في انتظار مراجعات جدية تعيد لهذا الدور مكانته الحقيقية.