لم يكن فهمي عمر مجرد مذيع عابر في تاريخ الإذاعة، بل كان أحد أعمدتها الراسخة، وصوتاً من أصوات زمنها الذهبي. فقد تولّى رئاسة الإذاعة المصرية، وأسهم بشكل مباشر في تطوير مضامينها وبرامجها، واضعاً بصمته الخاصة التي جمعت بين المهنية العالية والوعي الثقافي العميق. وقد تميز بأسلوبه الرصين وحضوره الهادئ، ما جعله مدرسة قائمة بذاتها في فن الإلقاء والإعداد. وعلى امتداد مسيرته، لم يقتصر دوره على التقديم فحسب، بل كان مربياً ومؤطراً لأجيال من الإعلاميين، حيث نقل خبراته إلى العديد من المذيعين الذين أصبحوا لاحقاً من نجوم الساحة الإعلامية. ومن هنا جاء لقبه شيخ الإذاعيين، تقديراً لدوره الريادي في ترسيخ القواعد المهنية والأخلاقية التي لا تزال تشكل مرجعاً للعمل الإذاعي حتى اليوم. لقد رحل فهمي عمر عن عمر ناهز 98 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً إعلامياً ثرياً، وذكريات لا تُنسى في قلوب مستمعيه.
ويؤكد أبناء محافظة قنا أن إطلاق اسمه على أحد الميادين الكبرى لن يكون مجرد تكريم رمزي، بل هو اعتراف بقيمة شخصية وطنية ساهمت في تشكيل الوعي الإعلامي والثقافي لعقود طويلة. كما يرى مهتمون بالشأن الثقافي أن هذه المبادرة تمثل خطوة مهمة نحو إعادة الاعتبار لرموز الإعلام المصري، خاصة أولئك الذين صنعوا مجد الإذاعة في زمن كانت فيه الكلمة المسموعة وسيلة التأثير الأولى في المجتمع. فالميادين العامة ليست مجرد فضاءات عمرانية، بل هي ذاكرة جماعية تُخلّد أسماء من أثروا في تاريخ الأمة. وفي ظل هذا الزخم الشعبي، تتجه الأنظار إلى الجهات المعنية بمحافظة قنا لاتخاذ خطوة رسمية تحقق هذا المطلب، وتمنح أحد أبنائها البررة المكانة التي يستحقها في ذاكرة مدينته. فتكريم الكبار في حياتهم أو بعد رحيلهم هو في جوهره تكريم لقيم العطاء والإبداع التي يمثلونها.