ومن بين أبرز من مارسوا هذه المهنة، يبرز اسم إبراهيم أبو صير الشريف، الذي يُعد من أشهر أدلاء الجبال في المنطقة الممتدة من مرسى علم إلى رأس غارب. امتلك الرجل معرفة دقيقة بتضاريس جبال البحر الأحمر، مكّنته من الاستدلال على الطرق والوديان، بل وحتى تحديد أماكن الأعشاب التي تنبت عقب سقوط الأمطار، وهو ما جعله مرجعاً للمهتمين بالنباتات البرية والباحثين في هذا المجال. ولم يقتصر دور دليل الجبال على الإرشاد فقط، بل امتد ليشمل مساعدة المستثمرين ورجال الأعمال في البحث عن الثروات الطبيعية، مثل الحديد والمنجنيز والنحاس والفضة، التي تظهر على هيئة عروق معدنية داخل الجبال. هذه المعرفة لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج خبرة متوارثة، حيث تعلم إبراهيم أبو صير هذه الحرفة عن والده، الذي كان بدوره دليلاً معروفاً في المنطقة. وفي بيئة قاسية قد تضل فيها الطرق بسهولة، لعب دليل الجبال دور المنقذ في العديد من الحالات. فقد ساهم في العثور على مفقودين من أبناء القبائل أو من مناطق مجاورة، ممن ضلّوا طريقهم بين وادٍ وآخر.
ويؤكد أن ما يبدو معقداً لغيره، يكون مهمة مألوفة بالنسبة له، بفضل معرفته الدقيقة بالمسالك الجبلية. ويروي أبو صير إحدى الحوادث التي تعكس طبيعة هذه المهنة، حين تاه ثلاثة أشخاص في جبال البحر الأحمر، واستمرت عمليات البحث عنهم يوماً كاملاً، قبل أن يتم العثور عليهم قرب منطقة اللُقيطة. ويشير إلى أن أولى خطوات البحث تبدأ بجمع المعلومات حول المفقودين، ثم تحليلها لتحديد المسارات المحتملة التي قد يكونون سلكوها، قبل الانطلاق ميدانياً نحو الوديان المرجحة. اليوم، ومع تطور وسائل الملاحة والتقنيات الحديثة، تراجعت الحاجة إلى دليل الجبال، لتصبح هذه الحرفة جزءاً من ذاكرة الصحراء أكثر من كونها مهنة حية. ومع ذلك، تبقى القيافة ودليل الجبال شاهداً على قدرة الإنسان على التكيّف مع الطبيعة، وقراءة تفاصيلها الدقيقة، في زمن كانت فيه الخبرة والمعرفة هما الوسيلة الوحيدة للنجاة.