ورغم الخطوة الإيجابية التي اتخذتها الدولة بنشر العقود والبيانات عبر بوابة وزارة الطاقة تنفيذاً لالتزامات شراكة الحكومة المفتوحة، والتي رفعت ترتيب البلاد إلى المرتبة السادسة والعشرين عالمياً في مؤشر حوكمة الموارد الطبيعية لعام 2017 بنتيجة 56 من 100، إلا أن الواقع الفعلي يكشف فجوة واسعة بين النصوص القانونية والتطبيقات الميدانية.
الخسائر المالية والشبهات في امتيازات الاستغلال
وقد كشفت الدراسة التحليلية الشاملة التي أعدتها الجمعية التونسية للمراقبين العموميين بالتعاون مع التحالف التونسي للشفافية في الطاقة والمناجم وبتمويل من معهد حوكمة الموارد الطبيعية عن إخلالات هيكلية تشوب تصرف الدولة في قطاع النفط والغاز، حيث أظهرت أرقام التقرير وجود ثمانية امتيازات استغلال تتطلب فتح تحقيقات عاجلة ونشر نتائجها للعموم لوقف التجاوزات، إلى جانب تكبّد الخزينة العامة نحو عشرين مليون دينار إثر خسارة قضية تحكيمية دولية في امتياز ودنة، فضلاً عن وجود سبعة امتيازات أخرى ظلت معلقة دون حسم وضعيتها القانونية والتشغيلية.
التجاوزات القانونية والآجال العرفية للرخص النفطية
كما أظهر التقرير التونسي تجاوزات كبيرة في احترام الآجال والمدد القانونية للرخص والامتيازات النفطية، إذ تم تسجيل تسع حالات تعليق غير قانوني لمدد الرخص خلافاً لأحكام مجلة المحروقات وثلاث حالات تجديد تجاوزت المدد العادية، بالإضافة إلى خمس حالات تمديد غير مشروع وأربع عشرة حالة تجاوزت التمديد العادي، يرافقها تعثر واضح في تطوير عشرة امتيازات استغلال رغم مرور سنوات طويلة على إسنادها بلغت في بعض الحالات أكثر من أربعين سنة، إلى جانب تسجيل اثنتين وعشرين حالة لرخص انتهت صلوحيتها دون تجديدها أو وضعها في المناطق الحرة، فضلاً عن رصد سبع عشرة حالة تمييز بين المستثمرين والشركات عند التصرف في سندات البحث والاستكشاف.
تشتت الجباية والقصور في الشفافية البيئية والبيانات
وتزداد التعقيدات في هذا الملف بالنظر إلى تشتت الأنظمة الجبائية المتعددة التي تخضع لها عقود المحروقات وغياب المعطيات التفصيلية الحقيقية حول عائدات الدولة والمستحقات المترتبة على الشركات، ناهيك عن اقتصار الحكومة على نشر وثائق الاتفاقيات في صيغة ملفات صامتة دون تبسيطها أو توفير أدوات تحليلية تُمكّن المجتمع المدني من فهم بنودها الفنية المعقدة، وفي الوقت الذي حققت فيه تونس درجات كاملة في نشر كميات الإنتاج والميزانية الوطنية، فإنها سجلت درجة صفر من مائة في مؤشرات نشر دراسات تقييم التأثيرات البيئية والاجتماعية وتطبيق القوانين الجبائية عبر بوابة البيانات، مما يعكس غياب الرؤية الشاملة للشفافية الاستخراجية.
توصيات الإصلاح وتفعيل الدور الدستوري للموارد الطبيعية
وبناءً على هذه الثغرات الكبيرة يطرح خبراء المراقبين العموميين حلولاً عملية تتجسد في فتح تحقيقات فورية ومستقلة بشأن الامتيازات المعلقة أو التي تضمنت تمديدات غير قانونية ومحاسبة المتسببين فيها، مع مراجعة القوانين والأنظمة الجبائية المتشتتة لضمان تحصيل الدولة لحقوقها المالية والإتاوات بوضوح، وإلزام الشركات بنشر كافة تقارير التأثير البيئي بصفة دورية وعلنية وتبسيط العقود والبيانات المفتوحة للعموم، لتظل عقود المحروقات الاختبار الحقيقي لمدى إرادة مؤسسات الدولة في تكريس الشفافية وتفعيل الفصل الثالث عشر من الدستور الذي ينص على أن الثروات الطبيعية ملك للشعب تمارس الدولة السيادة عليها باسمه، وتحويل القطاع إلى محرك للتنمية الوطنية بدلاً من كونه مصدراً للشبهات والتعطيل.
مؤشرات وأرقام: الخريطة العدلية للتجاوزات في عقود المحروقات
وتتجسد إخلالات التسيير والحوكمة في عقود المحروقات في تونس عبر إحصائيات دقيقة كشف عنها التقرير الرسمي؛ حيث يتوزع الميزان الرقابي للقطاع على النحو التالي:
8 امتيازات استغلال تستوجب فتح تحقيقات عاجلة ونشر نتائجها للعموم لوقف الشبهات.
20 مليون دينار تكبّدتها الخزينة العامة كتعويضات ناجمة عن خسارة قضية تحكيم دولي بامتياز "ودنة".
7 امتيازات استغلال ظلت معلقة دون حسم وضعيتها القانونية والتشغيلية.
10 امتيازات لم يُستكمل فيها تطوير الحقول رغم مرور فترة زمنية تجاوزت 40 سنة في بعض الحالات.
22 حالة لرخص انتهت صلوحيتها دون اتخاذ قرار بتجديدها أو وضعها في المناطق الحرة.
17 حالة تمييز بين المستثمرين والشركات عند التصرف في رخص الاستكشاف والبحث.
9 حالات تعليق غير قانوني لمدد الرخص خلافاً لمجلة المحروقات، و3 حالات تجديد تجاوزت المدد العادية، و14 حالة تجاوزت التمديد العادي، إلى جانب 5 حالات تمديد غير مشروع.