بدأت رحلتها مع شهادة الباكالوريا سنة 2017، متألقة في المعهد النموذجي بورقيبة. ثم التحقت بالمعهد التحضيري للدراسات التقنية (IPEST)، ذلك الصرح الذي يعدّه كثيرون بوابة النخبة. لكن شهرين فقط كانا كافيين لتكتشف أن التفوق لا يعني دائمًا التأقلم، وأن الإنسان ليس آلة تُقاس بعدد ساعات الدراسة أو بحجم الضغوط. وعكة صحية عابرة... لكنها كانت، كما يقول المثل، رب ضارة نافعة. في أروقة وزارة التعليم العالي، كان ملفها جاهزًا للالتحاق بكلية الطب في تونس، وكأن الإدارة نفسها تقول: "مكان هذه الفتاة بين الكبار". لكن الحياة كانت تخبئ لها سيناريو مختلفًا. دخلت كلية الطب... ثم غادرتها. وهنا سيقول أصحاب الأحكام السريعة: "لقد فشلت". أما من ينظر إلى الحياة بعمق، فسيقول إن الفشل الحقيقي هو أن يبقى الإنسان في المكان الخطأ. تركت الطب، لكنها لم تترك الحلم. اختارت تعلم اللغة الألمانية، ثم اختارت ألمانيا نفسها، وكأنها كانت تبحث عن فضاء يسمح للعقل بأن يتنفس. وفي أكتوبر 2019، بدأت رحلة جديدة داخل جامعة ميونيخ التقنية (TUM)، إحدى أعرق الجامعات في العالم.
وهنا تبدأ المفارقة الجميلة... الطالبة التي كانت تبحث عن مقعد في الجامعة، أصبحت تدرّس مادة الفيزياء داخل الجامعة نفسها، وهي لا تزال طالبة.
يا لها من مفارقة راقية!
أحيانًا يصبح الطالب أستاذًا قبل أن يحصل على شهادته، لأن المعرفة لا تعترف بالعمر، بل بالكفاءة.
ثم توالت المحطات التي تحكي قصة نجاح عالمية: تدريب في شركة BMW، وتجربة مع Amazon، وتبادل أكاديمي مع Télécom Paris، وتربص في روما، قبل أن تصل إلى محطة استثنائية في جامعة ستانفورد الأمريكية، إحدى أعرق جامعات العالم، في إطار التحضير لدرجة الماجستير.
رحلة لو كتبتها السينما، لقال البعض إنها مبالغ فيها. لكن الواقع، في أحيان كثيرة، أكثر إبداعًا من الخيال. وفي السنة الجامعية 2025-2026، نالت يسر رمضان شهادة الماجستير في الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسب بمرتبة الشرف. وهنا يجب أن نتوقف قليلًا... لسنا أمام قصة نجاح فتاة فحسب، بل أمام سؤال موجع لتونس: كم يسر رمضان لدينا؟ وكم من عبقرية غادرت لأنها كانت تبحث فقط عن بيئة تقول لها: تفضلي... أظهري ما لديك؟ فالعبقرية لا تحتاج إلى التصفيق بقدر ما تحتاج إلى فرصة. والأوطان التي لا تستثمر في عقولها، ستجد نفسها يومًا تستورد اختراعات تلك العقول بأضعاف كلفتها.
إلى يسر رمضان... لقد رفعت اسم تونس في قاعات العلم، لا على منصات الضجيج. وأثبتِّ أن الطريق قد يلتف كثيرًا، لكنه يصل في النهاية إلى من يؤمن بنفسه، ويعمل بصمت، ويتوكل على الله. فهنيئًا لك هذا التميز، وهنيئًا لوالديك اللذين آمنا بك، وهنيئًا لتونس التي ما زالت تنجب أبناءً وبناتٍ يكتبون اسمها بالحبر الذي لا يجف... حبر العلم. فالعلم هو جواز السفر الوحيد الذي تعترف به كل حدود العالم.
