طلبت من البائع قارورة نصف لتر، فجاءني الرد سريعًا: أربعة دنانير. ابتسمت، ثم اكتفيت بابتلاع ريقي.
بعد دقائق، أعلنت معدتي احتجاجها، فسألت عن سندويتش تونة. الإجابة كانت: أربعة عشر دينارًا. كدت أسأل مازحًا: هل التونة جاءت من أعماق البحر الأبيض المتوسط، أم اصطادتها حورية في مثلث برمودا؟ عندها فقط فهمت لماذا دخل كثيرون حاملين أكياسًا مليئة بالماء والعصائر والسندويتشات والحلويات. لم يكن الأمر بخلًا، بل درسًا في حسن إدارة المصاريف. في مهرجان قرطاج، أصبح الزاد وسيلة لحماية القدرة الشرائية.
ثم اعتلى الشاب خالد الركح، حوالي العاشرة والربع ليلًا. خمسة عازفين، وسلسلة من الأغاني التي يحفظها الجميع: ديدي، عايشة، سي لا في، وOn va danser. غنى خالد، لكن الجمهور غنى أكثر. بدا للحظات أن الحاضرين يعرفون الكلمات أكثر من صاحبها، حتى خُيّل إليّ أن الفنان جاء ليستمع إلى جمهوره أكثر مما جاء ليغني له. أما حضوره فوق الركح، فلم يكن ذلك الحضور المفعم بالحيوية الذي ارتبط باسمه عبر السنوات. الأداء كان محترفًا، لكنه افتقد شيئًا من الشغف والطاقة التي صنعت نجومية الراي وجعلته يعبر الحدود.
كانت سهرة جيدة، لكنها لم تحمل ذلك الإحساس بالاستثناء الذي ينتظره جمهور مهرجان يحمل اسم قرطاج. ومن هنا يفرض السؤال نفسه: هل ما نبيعه اليوم هو الفن، أم مجرد ذكرى حضور؟
هل أصبح اسم الفنان هو العنصر الأساسي في المعادلة، بينما تتراجع قيمة التجربة الفنية نفسها؟
قرطاج ليست مجرد فضاء لإقامة الحفلات.
قرطاج تاريخ، وحضارة، ورمز ثقافي عالمي.
ومن المؤسف أن ينشغل الزائر أحيانًا بأسعار قارورة الماء أكثر مما ينشغل بجمالية المكان الذي يحتضن العرض. لدينا واحد من أجمل المسارح الأثرية في العالم، لكننا لم نستثمر بعد قيمته الحضارية كما ينبغي. فالمسارح الأثرية في قرطاج، ودقة، والجم، وسبيطلة، قادرة على أن تكون وجهات ثقافية متوسطية تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، لا مجرد فضاءات للعروض الموسمية.
في إسبانيا، لا يُسوَّق للحفل وحده، بل للمكان أيضًا. وفي اليونان، تُباع التجربة الثقافية بكل ما تحمله من تاريخ وحضارة. أما نحن، فما زلنا نكتفي ببيع تذكرة دخول، وقارورة ماء بأربعة دنانير، وسندويتش تونة بأربعة عشر دينارًا، ثم نعتبر أن الموسم الثقافي قد حقق النجاح. فالنجاح الثقافي لا يُقاس بعدد الحضور فقط، بل بما يخرج به المتفرج من تجربة إنسانية وجمالية.
أما إذا غادر وهو يتذكر ثمن قارورة الماء أكثر مما يتذكر تفاصيل السهرة، فذلك يعني أن الاقتصاد نجح في خطف الأضواء من الفن. وربما... كانت أكثر الأصوات حضورًا في تلك الليلة، ليست "عايشة" ولا "ديدي"، بل صوت قارورة ماء بقيت معلقة بين الرغبة في شرائها، وثمنٍ بدا أثقل من أن يُدفع.
