ففي شوارع تونس العاصمة، تبدو الفوضى المرورية أبرز مظاهر هذا الخلل، حيث تتداخل أنماط القيادة العشوائية مع الانتشار اللافت لوسائل نقل جماعي في وضعية متدهورة، إلى جانب سيارات وشاحنات تجاوز عمرها عقودًا، تنفث دخانًا ملوثًا يثقل كاهل البيئة والصحة العامة. ويطرح هذا الواقع تساؤلات جدية حول آليات المراقبة ومنح التراخيص، ومدى احترام شروط السلامة والجولان. ولا يختلف الوضع كثيرًا داخل الأسواق، حيث تسود حالة من الارتباك على مستوى الأسعار وغياب الرقابة اليومية الصارمة، ما يفتح المجال أمام التجاوزات والممارسات غير القانونية، بعيدًا عن أي متابعة فعلية ومستدامة. وفي السياق ذاته، يلاحظ انتشار النقل العشوائي عبر سيارات خاصة ودراجات نارية تعمل خارج الأطر القانونية، مستغلة أوقات الذروة لنقل المواطنين، في غياب ردع واضح. من جهة أخرى، يبرز تقصير في أداء بعض الإدارات العمومية، حيث تغيب الصرامة في الالتزام بساعات العمل، خاصة خلال فترات حساسة يُفترض أن تتسم بالجدية والانضباط. ويتزامن ذلك مع تراجع واضح في مستوى النظافة داخل الأحياء والأنهج، حيث تتراكم الفضلات وبقايا الأشغال، وتنتشر الحفر الناتجة عن بالوعات مفقودة، ما يشكل خطرًا حقيقيًا على المارة ويعطي صورة سلبية عن المحيط الحضري.
كما لا يمكن إغفال هشاشة البنية التحتية وتعطل عدد من المشاريع العمومية، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع ويؤثر على جودة الحياة، فضلًا عن انعكاسه السلبي على صورة البلاد، خاصة في أعين الزوار والسياح. ورغم هذه التحديات، يُسجل تحرك أمني مهم في عدد من المناطق بالعاصمة، حيث تم التصدي لبعض الظواهر السلبية، مثل التسول المنظم والاعتداءات والسرقات، إضافة إلى محاولات فرض النظام في الفضاءات العامة، وهو ما يعكس أهمية دور المؤسسة الأمنية في فرض الاستقرار. إن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في تعدد هذه الظواهر، بل في ضعف تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وهو ما يستدعي تفعيل قرارات حازمة من أعلى هرم السلطة، وعلى رأسها رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيد، بما يضمن استعادة هيبة الدولة، وحماية المواطن، وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، في إطار رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار لقيمة النظام والانضباط. وفي انتظار الخطوات العملية الملموسة، تبقى الحاجة ملحّة إلى تضافر جهود مختلف الأطراف، من سلطات محلية ومجتمع مدني ومواطنين، من أجل استعادة صورة العاصمة كفضاء حضاري يعكس مكانة تونس وتاريخها.