ويأتي هذا الترفيع في إطار قرار مشترك صدر يوم 31 مارس 2026 عن وزارتي المالية والشؤون الثقافية، ودخل حيّز التنفيذ بداية من 1 أفريل، حيث تمت مراجعة أسعار التذاكر للأجانب بنسبة وصلت في بعض المواقع إلى 130%، بالتوازي مع اعتماد تصنيف جديد للمواقع الأثرية إلى خمس فئات (من A إلى E) حسب قيمتها التراثية، إذ تضم الفئة A مواقع مرموقة مثل متحف باردو وقرطاج والجم، مع تحديد سعر 30 دينارًا حاليًا و45 دينارًا بداية من 2027، في حين تشمل الفئة B مواقع كبرى أخرى بأسعار أقل، بينما تبقى الفئات الأخرى في مستويات مستقرة، مع إدراج تذكرة موحدة بين باردو وقرطاج كخطوة أولى نحو تنويع العروض. وفي مقابل هذه الإجراءات، تكشف الأرقام عن مفارقة لافتة، إذ رغم استقبال تونس نحو 11 مليون سائح سنة 2025 وتحقيقها عائدات تفوق 8 مليارات دينار، لم يتجاوز عدد زوار المواقع الثقافية مليوني زائر فقط، أي بنسبة 18% من إجمالي السياح، كما لم تتعد مداخيل هذه المواقع 17 مليون دينار، وهو رقم محدود مقارنة بقيمة التراث الوطني الذي يضم 22 موقعًا مصنفًا ضمن قائمة التراث العالمي، ما يبرز ضعف استغلال هذا القطاع الحيوي. ومن هذا المنطلق، تبدو الزيادة في الأسعار جزءًا من محاولة لسد هذه الفجوة، خاصة وأن معدل إنفاق السائح في تونس لا يتجاوز 250 دولارًا، وهو أقل بكثير من دول منافسة مثل المغرب ومصر، وهو ما يعزز الحاجة إلى تطوير العرض الثقافي وتحسين مردوديته الاقتصادية، دون المساس بجاذبية الوجهة السياحية.
ورغم ذلك، تظل تونس محافظة على تنافسيتها السعرية، حيث يبقى سعر زيارة متحف باردو أقل بكثير من متاحف عالمية كـمتحف اللوفر أو مواقع أثرية شهيرة في أوروبا والشرق الأوسط، ما يعني أن هامش الترفيع لا يزال ضمن حدود مقبولة دوليًا، خاصة في ظل توجه عالمي نحو تحميل الزائر جزءًا من كلفة صيانة التراث. غير أن هذه القرارات لا تخلو من انعكاسات على المهنيين، إذ تجد وكالات الأسفار نفسها أمام أعباء إضافية بسبب العقود المبرمة مسبقًا بأسعار قديمة، حيث يمكن أن تتحمل كلفة إضافية هامة خلال موسم 2026، وهو ما يطرح تحديات على مستوى التوازن المالي والتخطيط المستقبلي، خاصة مع رفع شروط الانتفاع بالتخفيضات المهنية. وفي المقابل، تفتح هذه الإصلاحات آفاقًا جديدة لتطوير القطاع، من خلال اعتماد تذاكر موحدة أوسع نطاقًا، وربما إطلاق بطاقة تراث تونس مستقبلاً، بما يشجع على تنقل السياح داخل البلاد وزيادة مدة إقامتهم، إلى جانب ضرورة رقمنة منظومة التذاكر وإطلاق منصات حجز إلكترونية تواكب المعايير الدولية. وتعكس هذه الخطوة توجهًا نحو إعادة تقييم قيمة التراث التونسي واستغلاله بشكل أفضل اقتصاديًا، غير أن نجاحها يبقى رهين تحقيق توازن دقيق بين رفع العائدات والحفاظ على جاذبية الوجهة، بما يضمن تحويل هذا الإرث الحضاري إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة.