من الناحية القانونية، لا يُنظر إلى مضيق هرمز باعتباره مجرد امتداد للسيادة الوطنية، بل كممر دولي استراتيجي يربط بين الخليج العربي وبحر العرب. هذا التصنيف يضعه تحت مظلة قواعد خاصة أرستها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تنص على مبدأ المرور العابر، وهو مبدأ يضمن حرية الملاحة لجميع السفن دون عرقلة أو فرض رسوم عبور. وبذلك، تتحول السيادة هنا إلى سيادة مقيّدة، حيث لا يمكن للدول المشاطئة استغلال موقعها الجغرافي لفرض واقع اقتصادي على بقية العالم. غير أن هذا الترتيب القانوني لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج إدراك دولي عميق بأهمية المضايق البحرية في استقرار الاقتصاد العالمي. فمضيق هرمز وحده يشهد عبور ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا، ما يجعل أي اضطراب في حركته كفيلًا بإحداث صدمات عنيفة في الأسواق الدولية. ولو تُركت حرية فرض الرسوم للدول، لتحوّل هذا الممر الحيوي إلى أداة ضغط اقتصادي وربما سياسي، وهو ما يتعارض مع مبدأ انسيابية التجارة العالمية. وفي هذا السياق، تبرز إشكالية التوازن بين السيادة الوطنية والمصلحة الدولية. فبينما تمتلك إيران وعُمان حقوقًا سيادية على مياههما الإقليمية، إلا أن هذه الحقوق تُقيّد عندما يتعلق الأمر بممر دولي لا يخدمهما فقط، بل يخدم الاقتصاد العالمي بأسره. ويمكن تشبيه ذلك بطريق دولي يمر داخل دولة ما: تملك الدولة الأرض، لكنها لا تستطيع منع المرور أو فرض رسوم تعسفية على المستخدمين. لكن ماذا لو تم تجاوز هذا الإطار القانوني وقررت إيران، نظريًا، فرض رسوم على المرور؟ هنا تبدأ التداعيات الاقتصادية بالتشكل.
في المرحلة الأولى، ستتحمل شركات الشحن والنفط هذه الرسوم، لكنها سرعان ما ستمررها إلى المستوردين، لتنتقل العدوى إلى الاقتصادات الكبرى، خاصة في آسيا مثل الصين والهند واليابان، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، ستشهد هذه الدول موجات تضخم قد تؤثر على نموها الاقتصادي واستقرارها. ولن تكون أوروبا، ممثلة في الاتحاد الأوروبي، بمنأى عن هذه التداعيات، إذ ستنعكس أي زيادة في أسعار النفط على الصناعة والنقل، مما يضغط على اقتصاداتها. أما الدول المصدّرة في الخليج، مثل السعودية والإمارات، فقد تجد نفسها في وضع مزدوج: الاستفادة من ارتفاع الأسعار من جهة، وتحمل تعقيدات لوجستية وضغوط على الطلب من جهة أخرى. وفي المقابل، قد تبدو الولايات المتحدة أقل تأثرًا نسبيًا، لكنها لن تنجو من انعكاسات اضطراب السوق العالمي. وفي نهاية المطاف، يبقى المستهلك العالمي الحلقة الأضعف، إذ ستترجم كل هذه التغيرات إلى ارتفاع في أسعار الوقود والنقل والمواد الأساسية، مما يخلق موجة تضخم عابرة للحدود. وهنا تتجلى حقيقة أساسية: حتى في غياب رسوم فعلية، فإن مجرد التهديد بفرضها في مضيق هرمز كفيل بإرباك الأسواق ورفع الأسعار. إن فهم هذه المعادلة يوضح أن منع فرض الرسوم على المضايق الدولية ليس مجرد نص قانوني، بل هو ضرورة استراتيجية لحماية الاقتصاد العالمي من التقلبات الحادة. فمضيق هرمز، رغم موقعه الجغرافي المحدد، يمثل مصلحة مشتركة للعالم بأسره، وأي محاولة لإعادة تعريف قواعده قد تفتح الباب أمام أزمة دولية تتجاوز الاقتصاد إلى أبعاد سياسية وأمنية أوسع.