ويقع هذا المركب في منطقة جبل الوسط الساحرة بولاية زغوان، التي تتميز بثاني أفضل نوعية من المياه العلاجية الساخنة في الجهة، ما يمنحه قيمة صحية وسياحية استثنائية. وقد شُيّد هذا الصرح منذ فترة الحكم البورقيبي على مساحة تقارب 55 هكتارًا، تحتضن أيضًا موقعًا أثريًا هامًا يُعتقد أنه يعود إلى الحقبتين الرومانية أو القرطاجية، لا تزال أجزاء واسعة منه مطمورة تحت الأرض ولم تُكشف أسراره بعد. ورغم تأمينه، فإن هذا الموقع يطرح مجددًا ضرورة إيلاء التراث الأثري مزيدًا من العناية، خاصة في ظل ما تتعرض له عديد المواقع في البلاد من إهمال واعتداءات. وعلى مستوى النشاط الصحي، شهد المركب خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية ملحوظة، بفضل العناية المتزايدة من وزارة الصحة وحرص الإدارة الحالية، وعلى رأسها المديرة العامة لمياء البجاوي دمق، التي قادت جهودًا إصلاحية أسهمت في إعادة إحياء هذا الفضاء الحيوي. ويُذكر أن المركب كان في بداياته تابعًا لوزارة الشباب والرياضة، وشهد تنظيم تربصات لفرق رياضية تونسية وعربية وأجنبية، من بينها المنتخب الوطني التونسي قبل مشاركته في مونديال 1978.
ورغم محدودية الموارد وعدم صرف الاعتمادات المالية المبرمجة، نجحت الإدارة في تحقيق إنجازات ملموسة، من بينها إطلاق مشروع الطاقة الشمسية، والعمل على ربط المركب بالغاز الطبيعي، إضافة إلى تركيز منظومة كاميرات مراقبة، وتطوير نشاط مركز تقويم الأعضاء الذي يشرف عليه كفاءات طبية شابة ذات مستوى عالٍ. ومع هذه الديناميكية الإيجابية، تبرز الحاجة الملحة إلى دعم هذا المركب بمزيد من الإمكانيات والتجهيزات، خاصة لترميم الوحدات الفندقية التي لم يُستغل منها سوى جزء محدود، بما يعزز قدرته على استقطاب الزوار والمرضى من داخل تونس وخارجها. وفي المحصلة، يظل المركب الصحي والاستشفائي بجبل الوسط نموذجًا حيًا لما يمكن أن تحققه الإرادة والإدارة الرشيدة، حيث يعمل كخلية نحل نابضة بالحياة، توفر خدمات علاجية متميزة وتمنح زوارها تجربة استشفائية فريدة، ما يستوجب مزيدًا من الدعم لمواصلة هذا المسار الواعد.