وتتمحور أبرز هذه الشروط حول إعادة تنظيم الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة العالمية، عبر إنشاء ممر منظم بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية، بما يمنح طهران ثقلاً اقتصادياً وجيوسياسياً مضاعفاً. ولا يتوقف الطرح عند هذا الحد، بل يمتد إلى فرض بروتوكول عبور آمن يُكرّس عملياً إشرافاً إيرانياً مباشراً على حركة الملاحة، وهو ما يمثل تحوّلاً حساساً في ميزان السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي. وفي البعد العسكري، تشترط طهران إنهاء العمليات ضد ما يُعرف بـ“محور المقاومة”، معتبرة ذلك انتصاراً استراتيجياً على إسرائيل، إلى جانب مطلب انسحاب القوات القتالية الأمريكية من قواعدها المنتشرة في المنطقة. ويعكس هذا الطرح رؤية إيرانية تسعى إلى إعادة تشكيل الخريطة الأمنية في الشرق الأوسط، عبر تقليص النفوذ العسكري الأمريكي وتعزيز حضور الحلفاء الإقليميين. أما اقتصادياً، فتتمسك إيران بجملة مطالب ثقيلة، تشمل دفع تعويضات كاملة عن الخسائر، ورفع جميع العقوبات بما فيها، تلك المرتبطة بمجلس الأمن، بالإضافة إلى الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. هذه النقاط تكشف أن طهران لا تنظر إلى المفاوضات كمسار لوقف التصعيد فحسب، بل كفرصة لإعادة تأهيل اقتصادها واستعادة موقعها في النظام المالي الدولي.
ومن الناحية القانونية، تدفع إيران نحو تثبيت هذه البنود ضمن قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي، بما يمنح الاتفاق صفة الإلزام الدولي ويحدّ من إمكانية التراجع عنه مستقبلاً. ويعكس هذا التوجه حرصاً على تحويل أي تفاهم محتمل إلى مكسب استراتيجي طويل الأمد، لا مجرد تسوية ظرفية قابلة للانهيار. وفي سياق موازٍ، تشير المعطيات إلى أن طهران تسعى إلى إدارة المفاوضات دون التخلي عن أوراق الضغط، إذ تلمّح إلى عدم إنهاء الحرب قبل ضمان كامل لمطالبها، مع الحفاظ على حالة التعبئة الداخلية وتعزيز خطاب النصر لضمان وحدة الموقف السياسي والشعبي خلال هذه المرحلة الحساسة. في المحصلة، تبدو المبادرة الإيرانية أقرب إلى إعلان إطار تفاوضي صارم يهدف إلى فرض معادلة جديدة في المنطقة، حيث تمتزج الجغرافيا بالطاقة والسياسة بالقوة العسكرية. وبينما يبقى مدى قابلية هذه الشروط للتطبيق محل تساؤل، فإن الواضح أن طهران تحاول الدخول إلى طاولة المفاوضات من موقع يمكّنها من تثبيت مكاسب استراتيجية، لا الاكتفاء بوقف التصعيد، في مشهد إقليمي مفتوح على كل الاحتمالات.