لا يخفى على أحد أن ظاهرة ذبح الإناث من القطيع، خاصة النعاج والفطائم، أصبحت منتشرة بشكل لافت، سواء على حافات الطرقات أو داخل الأحياء السكنية في المدن والقرى، وحتى في ضواحي العاصمة. هذه الممارسات، التي تتم في كثير من الأحيان خارج المسالخ الرسمية، تثير قلقاً متزايداً لدى المهتمين بالقطاع الفلاحي، لما لها من انعكاسات خطيرة على ديمومة القطيع الوطني وجودة اللحوم المعروضة للاستهلاك. وتتجاوز خطورة هذه الظاهرة الجانب الاقتصادي لتلامس أيضاً البعد الصحي، حيث يتم الذبح في ظروف غير خاضعة للرقابة البيطرية، وفي أماكن تفتقر لأدنى شروط السلامة، مما يهدد صحة المستهلك. كما تشير معطيات متداولة إلى وجود ممارسات أكثر خطورة، مثل ترويج لحوم حيوانات مريضة أو في حالة صحية متدهورة، وهو ما يستدعي تدخلاً صارماً من الجهات المختصة. ويرى متابعون أن استمرار هذه التجاوزات قد يفتح الباب أمام تراجع مخزون الثروة الحيوانية، بما قد يدفع البلاد إلى مزيد من التوريد بالعملة الصعبة، وهو سيناريو يثير مخاوف حقيقية على التوازن الغذائي والاقتصادي. في المقابل، يبرز مقترح دعم العائلات الريفية كأحد الحلول العملية، من خلال تمكينها من قروض صغيرة ميسرة، مصحوبة بمتابعة فنية ورقابة دورية، إضافة إلى توفير عدد محدود من رؤوس الأغنام كمنطلق لمشاريع إنتاجية عائلية.
مثل هذه المبادرات يمكن أن تساهم في تنمية القطيع الوطني، وخلق موارد رزق محلية، والحد من النزوح الداخلي. وتستحضر هذه الدعوات تجارب سابقة في تونس، خاصة خلال فترة الحبيب بورقيبة، حيث تم إطلاق برامج تنمية ريفية شاملة شملت الفلاحة والصناعات التقليدية، واستهدفت تحسين ظروف العيش في المناطق المهمشة. كما تواصلت بعض هذه السياسات لاحقاً خلال فترة زين العابدين بن علي تحت مسميات مختلفة، بهدف تحقيق التوازن التنموي. وفي سياق متصل، أعادت الزيارة الأخيرة التي قام بها قيس سعيد إلى إحدى مؤسسات اللحوم تسليط الضوء على ملفات حساسة في القطاع، ما يعزز الدعوات إلى تشديد الرقابة وتطبيق القانون على المخالفين. إن حماية الثروة الحيوانية لم تعد خياراً، بل ضرورة وطنية تقتضي تضافر الجهود بين الدولة والمجتمع، من خلال سياسات واضحة تجمع بين الردع والدعم. فالتصدي للممارسات العشوائية، بالتوازي مع تشجيع الإنتاج المنظم، يمكن أن يشكل خطوة حاسمة نحو تحقيق الأمن الغذائي وضمان استدامة هذا القطاع الحيوي.