وتنظم وزارة الشؤون الثقافية الدورة العشرين للمهرجان من 2 إلى 9 جويلية 2026، في نسخة تسعى إلى الجمع بين المحافظة على روح المهرجان التاريخية والانفتاح على التجارب الموسيقية الحديثة، من خلال برنامج فني يجمع بين أسماء ساهمت في صناعة مجد المهرجان عبر العقود الماضية وفنانين تونسيين ودوليين يمثلون مختلف الاتجاهات الموسيقية المستلهمة من الجاز وموسيقات العالم. ويعود تاريخ مهرجان طبرقة للجاز إلى سنة 1973، حين تأسس ليصبح أحد أقدم وأهم المواعيد الموسيقية في تونس والفضاء المتوسطي. وقد نجح على امتداد أكثر من خمسين عاماً في استقطاب كبار الفنانين العالميين وتحويل مدينة طبرقة إلى منصة دولية للحوار الثقافي والتبادل الفني، ما ساهم في ترسيخ صورة المدينة كعاصمة تونسية للموسيقى والانفتاح الثقافي. كما لا يمكن الحديث عن تاريخ المهرجان دون استحضار اسم المرحوم الجيلاني الدبوسي، الرئيس السابق لبلدية طبرقة وأحد أبرز المدافعين عن التنمية الثقافية والسياحية بالجهة، والذي ارتبط اسمه بمشاريع كبرى هدفت إلى تعزيز إشعاع المدينة على المستويين الوطني والدولي. ويعتبر كثير من أبناء الجهة أن الدبوسي كان من أبرز المساهمين في إعادة إحياء الحركية الثقافية والسياحية بطبرقة والدفع نحو تطوير التظاهرات الكبرى التي ساهمت في التعريف بالمدينة. وقد توفي سنة 2014 أثناء فترة إيقافه بالسجن، وسط جدل واسع آنذاك حول ظروف احتجازه ووضعه الصحي، حيث اعتبرت عائلته وعدد من مناصريه أن الإهمال الصحي كان من بين الأسباب التي أدت إلى وفاته، لتبقى قضيته حاضرة في ذاكرة جزء من أهالي الجهة إلى اليوم.
وتسعى الدورة الجديدة إلى إعادة ربط المهرجان بجمهوره وبالفضاءات الطبيعية الساحرة التي تميز طبرقة، حيث ستحتضن المدينة أيضاً سلسلة من عروض "Street Jazz" المجانية والمفتوحة للعموم، لتتحول شوارعها وساحاتها إلى فضاءات نابضة بالموسيقى والفن، تمنح السكان والزوار فرصة معايشة أجواء المهرجان خارج القاعات التقليدية. ولا يمثل مهرجان طبرقة للجاز مجرد تظاهرة فنية فحسب، بل يعد مشروعاً ثقافياً وتنموياً متكاملاً يساهم في تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية بالجهة، من خلال استقطاب الزوار والفنانين والإعلاميين من داخل تونس وخارجها، بما يعزز مكانة طبرقة كوجهة قادرة على احتضان التظاهرات الدولية الكبرى وصناعة الإشعاع الثقافي. وتحمل الدورة العشرون للمهرجان دلالات خاصة، فهي لا تمثل فقط عودة حدث فني عريق، بل تعكس أيضاً رغبة في استعادة مكانة طبرقة على الخارطة الثقافية والسياحية المتوسطية، وإحياء تقليد فني ظل حاضراً في الذاكرة الجماعية رغم سنوات التوقف. وبين زرقة البحر وخضرة الجبال، وبين إرث الجاز العالمي وآفاقه المتجددة، تستعد طبرقة لاستقبال جمهورها من جديد في موعد يعد بأن يكون احتفالاً بالموسيقى والحياة والذاكرة، وعودة طال انتظارها لأحد أبرز المهرجانات التي صنعت هوية المدينة الثقافية عبر الأجيال.