المسألة لا تتعلق بشعارات أو خطابات عامة، بل بتحول عالمي واضح يحدث أمامنا. الاقتصاد الذي كان يعتمد لعقود على الكلفة المنخفضة واليد العاملة، لم يعد وحده كافيًا في عالم يتجه بسرعة نحو المعرفة، والتكنولوجيا، والابتكار، وإنتاج القيمة المضافة. ما يجعل الوضع أكثر حساسية أن تونس تمتلك أصلًا ما يُفترض أنه عنصر قوة: شباب متعلم، كفاءات في مجالات متعددة، موقع جغرافي مهم، وتجربة معتبرة في التعليم والصناعة والخدمات. لكن الإشكال ليس في وجود هذه المقومات، بل في محدودية قدرتها على التحول إلى نتائج اقتصادية ملموسة. بمعنى آخر، المشكلة ليست نقصًا في الموارد، بل في طريقة تشغيلها داخل المنظومة الاقتصادية. اليوم، لم يعد التنافس بين الدول يُقاس فقط بتكلفة الإنتاج، بل بما تستطيع الدولة أن تقدمه من أفكار، ومنتجات، وحلول ذات قيمة أعلى. وهذا يفرض سؤالًا مباشرًا: كيف تنتقل تونس من اقتصاد يُشغّل الطاقات إلى اقتصاد يصنع القيمة؟ هذا النوع من التحول لا يحدث تلقائيًا، ولا يمكن أن يتحقق عبر إجراءات جزئية فقط. هو يحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات في السياسات العامة، خاصة في التعليم، والبحث العلمي، والاستثمار، وربط هذه المجالات بشكل فعلي بالاقتصاد الحقيقي، لا أن تبقى كل واحدة منها في مسار منفصل.
كما أن جاذبية الاستثمار اليوم لم تعد مسألة حوافز مالية فقط، بل أصبحت مرتبطة بعنصر أكثر أهمية: الثقة. ثقة المستثمر في استقرار القواعد، في وضوح الإجراءات، وفي قدرة الدولة على الاستمرار في نفس التوجه على المدى الطويل. ما نراه اليوم أن العالم لا يمنح فرصًا مفتوحة إلى ما لا نهاية. الدول التي تتحرك بسرعة نحو اقتصاد المعرفة تعيد تموضعها داخل سلاسل القيمة العالمية، بينما الدول التي تتأخر تجد نفسها في موقع أقل تأثيرًا مهما كانت إمكانياتها. في هذا السياق، لا يتعلق الأمر بالحديث عن ضرورة التغيير بشكل نظري، بل بالانتقال الفعلي إلى مرحلة جديدة في التفكير الاقتصادي. مرحلة تقوم على فكرة بسيطة لكنها حاسمة: أن القيمة هي أساس القوة الاقتصادية، وليست الكلفة وحدها. تونس لا تبدأ من الصفر، لكنها تحتاج إلى إعادة توجيه بوصلة واضحة. الانتقال من البحث عن موقع داخل الاقتصاد العالمي، إلى محاولة صناعة هذا الموقع، ليس خيارًا تجميليًا، بل مسارًا استراتيجيًا يحدد شكل السنوات القادمة. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا ينقص تونس؟ بل: كيف يمكن تحويل ما تملكه بالفعل إلى قوة اقتصادية حقيقية قبل أن يصبح التأخر أكثر كلفة؟