والدكتور المايسترو محمد عبيد ليس مجرد قائد يضبط الإيقاع بعصاه، بل موسيقي وباحث أكاديمي تخرّج من جامعة السوربون، جمع في مسيرته بين العلم والنغمة، ودرّس الموسيقى لأجيال من الطلبة، فصار يقود الفرقة بخبرة الأستاذ وحساسية الفنان في آنٍ واحد. في حفلاتها، تستيقظ الأنغام العربية الخالدة من جديد؛ تعود أغنيات أم كلثوم لتملأ الفضاء هيبةً، ويطلّ طيف فريد الأطرش بعذوبة أوتاره، بينما يمشي لحن محمد عبد الوهاب بخطوات واثقة كفيلسوفٍ اكتشف سرّ الموسيقى. ثم تنحني الفرقة بكل محبة لذاكرة تونس الغنائية، فتفتح أبواب الزمن على أصوات خالدة مثل علي الرياحي والهادي الجويني وصليحة ونعمة… تلك الأصوات التي كانت تعرف كيف تجعل الحزن يغني، وكيف تجعل الفرح يمشي على إيقاعٍ متزن لا يعرف الاستعجال.
ولا تنسى الفرقة جذورها العميقة، فتعود أحيانًا إلى عالم المالوف التونسي، حيث تختبئ بقايا الأندلس في المقامات، وحيث يصبح اللحن مثل حكاية قديمة يرويها الزمن بصوتٍ هادئ. وهنا تكمن المفارقة الفلسفية الساخرة: في زمنٍ تُصنع فيه الأغاني بسرعة القهوة السريعة… تقف هذه الفرقة بكل هدوء لتقول إن الموسيقى الحقيقية تحتاج وقتًا… مثل الحكمة، ومثل الحب، ومثل لحنٍ جميل يرفض أن يموت.