إن قضية البذور ليست مجرد عنصر من عناصر الزراعة، بل هي نقطة البداية الحقيقية لسلسلة الإنتاج بأكملها. فحين تكون البذور مستوردة أو محتكرة أو مرتفعة التكلفة، يصبح الفلاح رهينة للسوق الخارجي، وتتأثر جودة المحاصيل، وتتضاعف تكلفة الإنتاج. ومن هنا تأتي أهمية إنشاء كيان وطني يتولى إنتاج وتطوير وتخزين وتوزيع البذور المعتمدة عالية الجودة، بالتعاون مع مراكز البحوث الزراعية والجامعات المصرية، وبإشراف علمي وتقني دقيق يضمن ملاءمة البذور للبيئة المصرية بمختلف أقاليمها. ويقوم هذا البنك المقترح على محورين أساسيين: الأول إنتاج وتطوير البذور الاستراتيجية لمحاصيل القمح والذرة والأرز والبقوليات والخضر والفاكهة، مع التركيز على الأصناف المقاومة للملوحة والجفاف والحرارة، بما يتناسب مع التغيرات المناخية.
أما المحور الثاني فهو تمويل الزراعة تمويلاً متكاملاً يبدأ من توفير البذور والأسمدة والمبيدات والميكنة الزراعية، ويمتد إلى تمويل عمليات الري الحديث والحصاد والتخزين والتسويق، وصولاً إلى شراء المحصول بسعر عادل يحقق هامش ربح كريم للفلاح. ويمكن أن يعمل البنك تحت إشراف الدولة وبالتنسيق مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي والبنك الزراعي المصري، ليشكل منظومة تكاملية لا تنافس الكيانات القائمة بل تدعمها وتوسع نطاق عملها. ويعتمد نموذج التمويل على آليات مرنة تراعي طبيعة الدورة الزراعية، بحيث يكون السداد بعد الحصاد، مع نسب فائدة ميسرة أو بنظام المشاركة في العائد، بما يرفع العبء عن كاهل الفلاح ويشجعه على التوسع في الإنتاج.