تصريح مثير لداعية أزهري يشعل الجدل حول حدود الخطاب الديني في مصر
كتب : زيدان القنائى / تونس - المساء / نشر يوم 2026-04-01 /
أثار تصريح الداعية الأزهري إسلام سباق، الذي قال فيه خلال خطبة دينية: لو الشيطان حارب إسرائيل أنا مع الشيطان، موجة واسعة من الجدل في مصر، بين من اعتبره انعكاسًا لحالة الغضب الشعبي المتصاعد تجاه السياسات الإسرائيلية، ومن رأى فيه خروجًا واضحًا عن ضوابط الخطاب الديني وحدوده المهنية. ولا يمكن فصل هذا التصريح عن السياق الإقليمي المشحون، حيث تتزايد حدة التوترات وتتصاعد المشاعر في الشارع العربي، ما يدفع أحيانًا بعض الخطباء إلى تبني لغة عاطفية حادة تسعى للتأثير السريع في الجمهور والتعبير عن نبضه.
غير أن هذا التوجه يطرح إشكالية عميقة تتعلق بطبيعة المنبر الديني ووظيفته الأساسية، إذ يفترض أن يظل فضاءً للتوجيه الروحي والأخلاقي بعيدًا عن التوظيف السياسي المباشر أو الانخراط في الاستقطاب. وفي هذا السياق، تخضع المنابر التابعة لكل من الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية إلى ضوابط صارمة تهدف إلى الحفاظ على اعتدال الخطاب الديني، وتجنب استغلاله في الصراعات السياسية، فضلًا عن تعزيز وحدة الصف المجتمعي. ويرى منتقدو التصريح أن استخدام تعبيرات رمزية صادمة، مثل الاستعانة بمفهوم الشيطان في سياق سياسي، قد يؤدي إلى تشويش المفاهيم الدينية لدى العامة، ويفتح الباب أمام تأويلات متطرفة أو غير منضبطة، خاصة في ظل التأثير الكبير الذي يتمتع به الخطاب الديني في تشكيل الوعي العام. كما أن مثل هذه العبارات قد تُستغل إعلاميًا خارج سياقها، ما ينعكس سلبًا على صورة المؤسسات الدينية ويضعف ثقة الجمهور في الخطاب المعتدل الذي تسعى هذه المؤسسات إلى ترسيخه. وفي ظل هذا الجدل، يعود النقاش مجددًا حول العلاقة المعقدة بين الدين والسياسة، حيث يرى البعض أن القضايا الكبرى للأمة لا يمكن عزلها عن الخطاب الديني، بينما يحذر آخرون من مخاطر تسييس المنابر أو تديين الصراعات السياسية، لما قد يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الفكري والاجتماعي.
ومن هنا، تسعى الدولة المصرية إلى تكريس نموذج الدين المنضبط الذي يوازن بين التفاعل مع قضايا المجتمع والحفاظ على الطابع التوجيهي والأخلاقي للخطاب الديني. ويبقى التحدي الأكبر أمام الدعاة هو تحقيق هذا التوازن الدقيق بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، إذ إن المنبر ليس مساحة شخصية للتعبير عن المواقف الفردية، بل هو منبر عام يتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة والانضباط. وتكشف هذه الواقعة، في جوهرها، عن حاجة ملحة لإعادة تأكيد دور المؤسسات الدينية في تأطير الخطاب، وتدريب الأئمة على معالجة القضايا الحساسة بلغة رصينة وواعية، تضمن الحفاظ على قدسية المنبر، دون الانفصال عن هموم الشارع وتحديات الواقع.
