البترودولار تحت الضغط، هل ينهار؟
كتب : نذير عزوز / تونس - المساء / نشر يوم 2026-03-29 /
لطالما كان النفط شريان الحياة للاقتصاد العالمي، وأحد أهم عناصر الاستقرار والنمو في النظام الدولي، حيث ترتبط حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة ارتباطًا وثيقًا بتوفره وتدفقه عبر الممرات الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يُعد نقطة عبور حيوية لجزء كبير من صادرات النفط العالمية. وتمتلك دول مثل إيران احتياطات ضخمة من النفط والغاز، ما يجعلها لاعبًا مهمًا في معادلات الطاقة العالمية، ليس فقط من حيث الإنتاج، بل أيضًا من حيث التأثير الجيوسياسي غير المباشر على الأسواق.
وفي هذا السياق، شهدت العلاقة بين النفط والعملات تحولات تاريخية عميقة منذ القرن العشرين، حين بدأت الولايات المتحدة في تعزيز مكانة الدولار كعملة مهيمنة في التجارة الدولية، خاصة بعد اتفاقيات اقتصادية مع دول منتجة للنفط، أبرزها الاتفاق مع السعودية عام 1945. ومع انهيار نظام بريتون وودز عام 1971 وإلغاء ربط الدولار بالذهب، برزت الحاجة إلى آلية جديدة تدعم قوة العملة الأمريكية، وهو ما أدى لاحقًا إلى نشوء نظام البترودولار في منتصف السبعينات، والذي يقوم على تسعير وبيع النفط عالميًا بالدولار الأمريكي، الأمر الذي عزز الطلب العالمي على الدولار وجعله العملة الأساسية في تجارة الطاقة الدولية. ومع مرور الوقت، تحول هذا النظام إلى أحد أعمدة النفوذ الاقتصادي العالمي للولايات المتحدة، إذ لم يعد الدولار مجرد عملة وطنية، بل أصبح عملة احتياط عالمية تُستخدم في تسوية المعاملات التجارية وشراء الطاقة وتكوين الاحتياطات النقدية للدول. غير أن هذا الوضع دفع بعض الدول إلى محاولة تقليل الاعتماد على الدولار أو البحث عن بدائل في تسعير النفط والتجارة الدولية، في إطار مساعٍ لإعادة التوازن إلى النظام المالي العالمي. وقد أُشير في هذا السياق إلى عدد من التجارب الدولية التي حاولت فيها دول كالعراق وليبيا وفنزويلا وإيران اعتماد سياسات نقدية أو تجارية تقلل من هيمنة الدولار، إلا أن هذه الحالات تداخلت فيها عوامل سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، شملت العقوبات الدولية والصراعات الداخلية والتوترات الجيوسياسية، ما يجعل تفسيرها حصريًا من زاوية العملة قراءة مبسطة للواقع.
وفي السنوات الأخيرة، برزت إيران كأحد الأطراف التي دعت إلى تقليص الاعتماد على الدولار في تجارتها النفطية، خاصة في ظل العقوبات المفروضة عليها، حيث اتجهت في بعض تعاملاتها إلى استخدام عملات بديلة مثل اليوان الصيني أو عبر آليات مقايضة تجارية مع شركاء آسيويين. وفي المقابل، تعمل الصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط في العالم، على تطوير أدوات مالية وتجارية تقلل من اعتمادها على الدولار، من خلال توسيع استخدام اليوان في بعض الصفقات النفطية والاتفاقات الثنائية، وهو ما يعكس تحولًا تدريجيًا في آليات التجارة العالمية للطاقة. وبشكل عام، فإن ما يُعرف بحرب العملات والنفط لا يمكن اختزاله في مجرد صراع على تسعير النفط، بل هو جزء من تحولات أوسع في النظام الاقتصادي العالمي، يرتبط بإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى، وصعود اقتصادات جديدة، وتراجع نسبّي للهيمنة المالية التقليدية، إضافة إلى ظهور تكتلات اقتصادية بديلة تسعى إلى تعزيز استقلالها النقدي والتجاري. وفي النهاية، فإن العلاقة بين النفط والدولار تظل إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في الاقتصاد السياسي العالمي، حيث تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، في عالم يشهد تغيرات متسارعة قد تعيد رسم ملامح النظام المالي الدولي خلال السنوات القادمة.
![Validate my RSS feed [Valid RSS]](/Uploads/valid-rss-rogers.png)