الهيكل الثالث وسط الصراعات بين الدين والسياسة والحروب
كتب : زيدان القنائى / تونس - المساء / نشر يوم 2026-03-31 /
أثار الجدل المتصاعد حول ما يُعرف بالهيكل الثالث موجة واسعة من النقاشات، خاصة مع ربط هذه الفكرة بتطورات سياسية وأمنية تشهدها منطقة الشرق الأوسط، من بينها التوتر المستمر مع إيران. وتذهب بعض التحليلات إلى أن هذه الطروحات لا تنفصل عن سياق ديني سياسي معقد، تتداخل فيه المعتقدات العقائدية مع الحسابات الجيوسياسية، في ظل حضور قوي لرموز ونصوص دينية في الخطاب العام لبعض التيارات المؤثرة.
وفي هذا الإطار، يرى عدد من المراقبين أن بعض التيارات الدينية، خصوصًا داخل الأوساط المحافظة في الولايات المتحدة، تنظر إلى مسألة الهيكل الثالث باعتبارها جزءًا من تصورات مرتبطة بنهاية الزمان أو ما يُعرف بالمجيء الثاني للمسيح، وهي تصورات تستند إلى قراءات خاصة لنصوص دينية قديمة. ويُستحضر في هذا السياق نموذج الملك الفارسي كورش، الذي يُنسب إليه تاريخيًا دور في إعادة بناء الهيكل القديم، ما يدفع البعض إلى إجراء مقارنات رمزية بينه وبين سياسات معاصرة. ومن بين الأسماء التي ترد في هذه التحليلات اسم Donald Trump، خاصة في ضوء قرارات اتخذها خلال فترة رئاسته، أبرزها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، وهي خطوات اعتبرها مؤيدوه متسقة مع رؤى دينية لدى بعض التيارات، فيما رأى فيها منتقدوه تحركات سياسية ذات أبعاد استراتيجية تتعلق بإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة. وفي المقابل، تبقى فكرة الهيكل الثالث في جوهرها جزءًا من الموروث الديني اليهودي، حيث يُعتقد بوجود هيكلين سابقين في القدس تم تدميرهما عبر التاريخ، فيما تتبنى بعض الجماعات الدينية فكرة إعادة بنائه كحدث مستقبلي ذي دلالة عقائدية كبيرة.
غير أن هذه المسألة تظل شديدة الحساسية، نظرًا لارتباطها بمواقع دينية قائمة اليوم، وعلى رأسها المسجد الأقصى، ما يجعل أي طرح في هذا الاتجاه محفوفًا بتداعيات سياسية ودينية واسعة النطاق. وبين هذه القراءات الدينية والتفسيرات السياسية، يشدد خبراء في العلاقات الدولية على ضرورة التمييز بين الوقائع المؤكدة والتأويلات، إذ لا توجد أدلة رسمية تشير إلى وجود خطط سياسية معلنة تستهدف بناء الهيكل الثالث ضمن الاستراتيجيات الدولية، كما أن الصراعات القائمة، بما فيها التوتر مع إيران، تُفهم عادة ضمن أطر تتعلق بالأمن القومي والمصالح الاقتصادية والتوازنات الإقليمية، أكثر من ارتباطها بأهداف دينية مباشرة. وفي ظل هذا التشابك، يبدو أن الحديث عن الهيكل الثالث يعكس بالأساس حالة من التداخل بين الدين والسياسة في قراءة الأحداث العالمية، حيث تسعى بعض التيارات إلى إسقاط تصوراتها العقائدية على الواقع السياسي، بينما يظل هذا الواقع محكومًا بعوامل أكثر تعقيدًا وتعددًا.
