كيف تستفيد تونس من أزمة الطاقة الحالية؟
كتب : نذير عزوز / تونس - المساء / نشر يوم 2026-03-24 /
تشهد أوروبا منذ أشهر موجة حادة من الارتفاع في أسعار الوقود، مدفوعة بتقلبات الأسواق العالمية والتوترات الجيوسياسية وارتفاع كلفة الضرائب البيئية، ما جعل سعر اللتر يتجاوز في بعض الدول حاجز 2 يورو، وهو ما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للأسر وأعاد تشكيل سلوك المستهلكين الذين باتوا يبحثون عن حلول بديلة أقل كلفة وأكثر استقرارًا.
ولم يقتصر هذا التحول على التوجه نحو السيارات الكهربائية والهجينة، بل فتح الباب أيضًا أمام نقاش أوسع حول الوقود الحيوي، وفي مقدّمته البيوميثانول كخيار ناشئ يثير اهتمامًا متزايدًا رغم محدودية انتشاره. فالبيوميثانول يُنتج إما من الكتلة الحيوية والمنتجات الزراعية أو عبر إعادة رسكلة الزيوت المستعملة، حيث تمر هذه المواد بسلسلة من العمليات الكيميائية التي تحولها إلى وقود أقل انبعاثًا للكربون، ما يجعله نظريًا بديلًا واعدًا ضمن مزيج الطاقة المستقبلية. غير أن استخدامه في قطاع النقل لا يزال محدودًا، إذ يتطلب محركات معدلة أو تقنيات خاصة، كما أن البنية التحتية لتوزيعه لم تتطور بعد بشكل يسمح بتعميمه على نطاق واسع، وهو ما يبقيه في خانة الحلول التجريبية مقارنة بالخيارات الأكثر نضجًا. وفي هذا السياق، تبرز تونس كواحدة من الدول التي خاضت تجربة مبكرة في هذا المجال، من خلال إنشاء مصنع في المنطقة الصناعية بالمغيرة من ولاية بن عروس، وبعث شركة بيوداكس التي تخصصت في إنتاج البيوميثانول منذ أكثر من عقد. وقد تمكنت هذه التجربة من تحقيق حضور صناعي لافت، خاصة عبر تصدير كميات من الإنتاج نحو مالطا، التي تمثل نقطة عبور نحو السوق الأوروبية، ولا سيما إيطاليا، ما يعكس وجود طلب أوروبي متنامٍ على هذا النوع من الوقود البديل في ظل أزمة الطاقة.
غير أن هذا النجاح التصديري لم يخلُ من الجدل، إذ طالت التجربة اتهامات تتعلق باستغلال الزيوت المدعمة في السوق المحلية وإعادة توجيهها نحو التصدير، إلى جانب شبهات تهريب ضمن سلسلة التزويد، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول شفافية القطاع وفعالية الرقابة، خاصة في ظل حساسية ملف المواد المدعومة وتأثيره المباشر على السوق الداخلية. وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: ففي الوقت الذي تدفع فيه أزمة الوقود في أوروبا نحو تسريع البحث عن بدائل، تجد بعض هذه البدائل نفسها في دول أخرى، مثل تونس، أمام تحديات الحوكمة والتنظيم. وبين الضغوط الأوروبية والحلول الناشئة، يظل البيوميثانول خيارًا يحمل إمكانات واعدة لكنه يحتاج إلى مزيد من التطوير التقني والإطار القانوني الواضح والبنية التحتية المناسبة حتى يتحول من تجربة محدودة إلى بديل فعلي في سوق الطاقة. وفي النهاية، تكشف هذه المعادلة عن واقع جديد يتشكل تدريجيًا، حيث لم يعد مستقبل الطاقة رهين الموارد التقليدية فقط، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الدول على الابتكار، وفي الآن ذاته على ضمان الشفافية وحسن إدارة الموارد.
![Validate my RSS feed [Valid RSS]](/Uploads/valid-rss-rogers.png)