وأوضح التقرير، الذي صادق عليه المجلس التنفيذي للصندوق في 13 جويلية 2026، أن منطقة اليورو كانت قد بدأت العام في وضع اقتصادي قوي، بعد فترة شهدت نموًا قريبًا من مستواه الطبيعي وتضخمًا متوافقًا مع أهداف البنك المركزي الأوروبي، إلا أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة غيّرت هذه الصورة بشكل ملحوظ.
تباطؤ النمو وعودة الضغوط التضخمية
يتوقع صندوق النقد الدولي أن يتباطأ النمو الاقتصادي في منطقة اليورو إلى 0.9% خلال عام 2026، قبل أن يتحسن بشكل طفيف إلى 1.2% في عام 2027، وهي مستويات تقل بنحو 0.5 و0.2 نقطة مئوية عن التقديرات التي سبقت اندلاع الحرب في الشرق الأوسط. وفي المقابل، يتوقع الصندوق أن يرتفع معدل التضخم إلى 2.9% في عام 2026، قبل أن يتراجع إلى 2.3% في عام 2027، نتيجة استمرار الضغوط على أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج. وأشار التقرير إلى أن الحرب أدت إلى تراجع ثقة المستهلكين والشركات، وتشديد الأوضاع المالية، ما انعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي في مختلف دول المنطقة.
مخاطر تهدد الاقتصاد الأوروبي
ورأى الصندوق أن المخاطر لا تزال تميل نحو سيناريو يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع التضخم، محذرًا من أن أي تأخير في استعادة إمدادات الطاقة العالمية قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية وإضعاف النشاط الاقتصادي. كما لفت إلى أن استمرار الحرب في أوكرانيا، أو تصاعد النزاعات التجارية وفرض رسوم جمركية جديدة، قد يؤدي إلى إطالة أمد التباطؤ الاقتصادي. وفي الجانب المالي، حذر التقرير من ارتفاع المخاطر التي تواجه النظام المالي الأوروبي، خاصة في حال تعرض الأسواق العالمية لموجة بيع واسعة أو ظهور ضغوط على المؤسسات المالية غير المصرفية ذات المديونية المرتفعة، بما قد يمتد تأثيره إلى البنوك وأسواق التمويل الرئيسية.
دعوة إلى سياسات متوازنة
وأكد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي أن مواجهة هذه التطورات تتطلب اعتماد سياسات اقتصادية متوازنة تجمع بين مكافحة التضخم والحفاظ على الاستقرار المالي ودعم النمو.
وشدد المديرون التنفيذيون على ضرورة أن يبقى استقرار الأسعار الهدف الرئيسي للسياسة النقدية، مع اعتماد قرارات تستند إلى البيانات الاقتصادية والتطورات الفعلية، إضافة إلى تحسين التواصل مع الأسواق لتثبيت توقعات التضخم في ظل حالة عدم اليقين.
دعم مالي مؤقت وموجه
وفي ما يتعلق بالسياسات المالية، أوصى الصندوق بالاعتماد أساسًا على آليات الاستقرار التلقائي داخل الموازنات العامة، مع تقديم أي دعم إضافي بشكل مؤقت وموجه للفئات والقطاعات الأكثر تضررًا، مع تجنب تشويه إشارات الأسعار في الأسواق. كما دعا إلى إعداد خطط مالية متوسطة المدى تضمن استدامة المالية العامة، من خلال ترشيد الإنفاق، وتحسين الكفاءة، وتسريع الإصلاحات الاقتصادية، والالتزام بقواعد الانضباط المالي المعتمدة داخل الاتحاد الأوروبي.
إصلاحات لتعزيز القدرة التنافسية
وأكد التقرير أن تعميق السوق الأوروبية الموحدة يبقى الوسيلة الأكثر فعالية لتعزيز النمو الاقتصادي على المدى المتوسط، داعيًا إلى إزالة الحواجز أمام حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال والعمالة بين الدول الأعضاء. كما أوصى بتحسين اندماج المهاجرين في أسواق العمل، وتعزيز جاهزية الاقتصادات الأوروبية للاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مواصلة الاستثمار في التحول الطاقي وتعزيز أمن الطاقة عبر تكامل أكبر لأسواق الطاقة الأوروبية. ورحب المديرون بمواصلة الاتحاد الأوروبي تنويع شراكاته التجارية، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على نظام تجاري عالمي مفتوح قائم على القواعد، وتقليص الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية بطريقة مدروسة تحد من التكاليف الاقتصادية.
تعزيز متانة القطاع المالي
ورغم تأكيد صندوق النقد الدولي أن القطاع المصرفي الأوروبي لا يزال يتمتع بقدر جيد من الصلابة، فإنه دعا إلى مواصلة مراقبة المخاطر المرتبطة بارتفاع تقييمات الأصول والتوسع المتزايد للمؤسسات المالية غير المصرفية. كما أوصى بتعزيز اختبارات الضغط المالي، وتحسين تبادل البيانات بين الجهات الرقابية، وتقوية أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى استكمال مشروع الاتحاد المصرفي الأوروبي وتعزيز آليات إدارة الأزمات المالية. ويرى صندوق النقد الدولي أن تجاوز المرحلة الحالية يتطلب الجمع بين سياسات اقتصادية حذرة وإصلاحات هيكلية عميقة، بما يسمح لمنطقة اليورو بالحفاظ على استقرارها المالي وتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
