الشيكل الإسرائيلي والدولار تحت الضغط؟
كتب : نذير عزوز / تونس - المساء / نشر يوم 2026-03-13 /
تتزايد المخاوف بشأن استقرار الاقتصاد العالمي في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد التقارير التي تحدثت عن إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والغاز في العالم. ويأتي هذا التطور في سياق المواجهة المتصاعدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ما يضع الاقتصاد الدولي أمام تحديات قد تكون غير مسبوقة، مع انعكاسات مباشرة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد وأداء العملات العالمية، وعلى رأسها الدولار الأمريكي والشيكل الإسرائيلي.
ويُعد مضيق هرمز ممراً بحرياً استراتيجياً يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، وتعبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية وما يقارب 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. ولذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر هذا المضيق ينعكس فوراً على أسواق الطاقة العالمية. فمع انتشار الأنباء عن إغلاقه، ارتفعت أسعار خام برنت لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، فيما توقعت مؤسسات مالية كبرى مثل غولدمان ساكس أن يؤدي استمرار الإغلاق إلى ارتفاع إضافي قد يتراوح بين 10 و15 دولاراً للبرميل. ولا يقتصر تأثير هذا التطور على سوق الطاقة فحسب، بل يمتد ليشمل نحو 2.4 في المئة من حركة التجارة العالمية غير النفطية. فتعطل طرق الملاحة وسلاسل الإمداد قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية عالمياً، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خطط خفض أسعار الفائدة أو حتى إعادة تشديد سياساتها النقدية، وهو سيناريو يعزز المخاوف من دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود تضخمي. وفي أوقات التوتر وعدم اليقين، يميل المستثمرون عادة إلى التوجه نحو الأصول الأكثر أماناً، وفي مقدمتها الدولار الأمريكي. ومع تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط، سجل الدولار ارتفاعاً ملحوظاً ليقترب من أعلى مستوياته منذ بداية العام، في مؤشر على دوره التقليدي كملاذ آمن. وقد انعكس هذا الصعود على العملات الرئيسية الأخرى مثل اليورو والجنيه الإسترليني اللذين تعرضا لضغوط تراجعية. ورغم التكلفة الاقتصادية الكبيرة للحرب، التي قدّرت وزارة المالية الإسرائيلية خسائرها بنحو 50 مليار شيكل، أي أكثر من 16 مليار دولار، مع ارتفاع ميزانية الدفاع إلى نحو 121 مليار شيكل، فإن العملة الإسرائيلية أظهرت قدراً من الصمود النسبي. فقد تراوح سعر صرف الشيكل مقابل الدولار بين 3.08 و3.14 شيكل، وهو ما يعزوه بعض المحللين إلى تدخلات محتملة من بنك إسرائيل لدعم العملة، أو إلى ثقة المستثمرين بقدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تجاوز الأزمة، وربما أيضاً إلى توقعات بحسم عسكري سريع.
ومع ذلك، خفّضت وزارة المالية توقعاتها لنمو الاقتصاد الإسرائيلي لعام 2026 من 5.2 في المئة إلى 4.7 في المئة نتيجة تداعيات الحرب. في المقابل، تواجه عملات أخرى ضغوطاً أكبر. فقد شهد الريال الإيراني تراجعاً حاداً، إذ بلغ سعر صرفه نحو 1.75 مليون ريال مقابل الدولار، وهو ما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تعانيها إيران في ظل العقوبات الدولية والتوترات السياسية. كما أن الدول المستوردة للنفط قد تواجه ضغوطاً متزايدة على عملاتها بسبب ارتفاع فاتورة الطاقة، وهو ما قد يؤثر على اقتصادات مثل الهند وعدد من الدول الأوروبية.
ولا يهدد إغلاق مضيق هرمز بارتفاع أسعار النفط فقط، بل قد يؤدي أيضاً إلى اضطراب واسع في سلاسل الإمداد العالمية. فإلى جانب النفط والغاز، يمر عبر المضيق جزء مهم من تجارة الأسمدة، ما يثير مخاوف تتعلق بالأمن الغذائي العالمي. كما يؤدي هذا الاضطراب إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، الأمر الذي يغذي موجة التضخم ويزيد احتمالات الركود التضخمي. وفي هذا السياق، حذرت شركة أرامكو السعودية من تداعيات خطيرة على سوق النفط في حال استمرار إغلاق المضيق، مشيرة إلى أن المخزونات العالمية من النفط وصلت إلى أدنى مستوياتها خلال خمس سنوات، وهو ما قد يسرّع من وتيرة تراجع الإمدادات في الأسواق. وبذلك، يبدو أن ما يحدث في مضيق هرمز قد يمثل نقطة تحول حساسة للاقتصاد العالمي. ففي الوقت الذي يعزز فيه الدولار مكانته كملاذ آمن، وتظهر بعض العملات مثل الشيكل الإسرائيلي قدرة نسبية على الصمود، فإن التأثيرات الأوسع على أسعار الطاقة والتجارة العالمية والتضخم قد تدفع الاقتصاد الدولي نحو مرحلة من عدم الاستقرار وربما الركود التضخمي. ويبقى مستقبل الاقتصاد العالمي مرتبطاً بدرجة كبيرة بتطورات الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، وبإمكانية التوصل إلى حلول دبلوماسية تضمن استقرار الملاحة في هذا الممر الحيوي.
![Validate my RSS feed [Valid RSS]](/Uploads/valid-rss-rogers.png)